نقد علمي لنظرية التطور الداروينية: أبرز الانتقادات والثغرات المثارة ضدّها

نقد علمي لنظرية التطور الداروينية: أبرز الانتقادات والثغرات المثارة ضدّها

ما نظرية التطور الداروينية وما هو أساسها؟

صورة ملونة تاريخية لتشارلز داروين، عالم الطبيعة الإنجليزي، في منظر جانبي (بروفايل)، يظهر وجهه الجاد مع لحية كثيفة وبدلة رسمية، صورة كلاسيكية من القرن التاسع عشر.نظرية التطور الداروينية هي نظرية علمية تفسّر تنوّع الكائنات الحية بآليَّة الانتخاب الطبيعي، التي تقوم على بقاء الصفات الأكثر تكيفًا وانتشارها عبر الأجيال.

وعند ذكر كلمة «التطور»، يتبادر إلى الذهن أن الكائنات الحية نشأ بعضها من بعض أو ظهرت تدريجيًا في حِقَبٍ زمنية طويلة. وهذه التصورات موجودة فعلًا ضمن إطار النظرية، لكنها ليست الأساس الذي ميّز داروين عن غيره.

فالأفكار المتعلقة بالتدرج في الخلق أو تحوّل الكائنات طُرحت قبل داروين بقرون، وتبناها عدد كبير من المفكرين، مثل: (بوفون)، و(لامارك)، و(موبيرتويس)، بل وحتى (إرازموس داروين): (جدّ تشارلز داروين)للاطلاع على عرضٍ تاريخي لنظرية التطور، يُراجع كتاب معبد داروين، خالد الشايع، (2016)، مركز دلائل. (1).

وفي الثقافة الإسلامية أيضًا، أشار عددٌ من المفكرين إلى فكرة التدرّج في الخلق، كما عند (ابن مسكويه)، و(ابن خلدون)، و(القزويني)، و(الفارابي)، و(إخوان الصفا)، وغيرهمعباس محمود العقاد. الإنسان في القرآن ص 77-84، (2017)، مؤسسة هنداوي. (2)، وإن لم يقصدوا بذلك التطور بالمعنى الحديث، وإنما قصدوا الترتيب والتصنيف التدريجي لمراحل الكائنات من الجماد، إلى النبات، فالحيوان، فالإنسان.

ومع ذلك، تُنسب نظرية التطور إلى (تشارلز داروين) وحده، لأن كل ما سبق ليس هو أساس النظرية؛ إنما الأساس الحقيقي يكمن في الآلية التفسيرية التي قدمها (داروين)، وهي الانتخاب الطبيعي، الذي يفترض أن التغيرات العشوائية تحدث في الكائنات الحية، ثم يُحافَظ على الصفات الأكثر قدرة على البقاء والتكاثر، مما يؤدي مع الزمن إلى تغيّر الأنواع.

ما مشكلاتنا مع نظرية التطور الداروينية؟

المشكلة الأولى في نظرية التطور: ادعاء الكفاية التفسيرية

بين الداروينية وبرهان النظم والإتقان تعارُض صريح، فقد توسّع (داروين) في استخدام آلية الانتخاب الطبيعي وقدمها على أنَّها تفسير طبيعيٌّ كافٍ لوجود الكائنات الحية من غير حاجة إلى تدخل واع أو توجيه إلهي.

وكما قال الملحد الشهير (ريتشارد دوكينز) في كتابه صانع الساعات الأعمى في معرض الثناء على (داروين)Richard Dawkins, The Blind Watchmaker: Why the evidence of evolution reveals a universe without design, New York: W.W. Norton & Company, 1987, P. 6. (3):

«لقد جعل (داروين) من الممكن للمرء أن يكون ملحدًا مكتملًا فكريًا».

وكذلك قال عالم الوراثة التطورية (جيري كوين)DON'T KNOW MUCH BIOLOGY.https://www.edge.org/conversation/jerry_a_coyne-dont-know-much-biology (4):

«هناك نظرية واحدة فقط في التطور، ألا وهي: أنّ الكائنات الحية تطورت تدريجيًا عبر الزمن ومن ثمّ تشعّبت لأنواع مختلفة، وكان المحرّك الرئيسي لهذه التغيرات التطورية هو الانتخاب الطبيعي. إنَّ بعض تفاصيل هذه العمليات غير مؤكَّد، لكن ما لا جدال فيه بين علماء الأحياء هو القواعد الأساسية في التطور؛ فبينما تحدث الطفرات بالصدفة، إلا أن الانتخابَ الطبيعيَّ المسؤولَ عن بناءِ الأجسام المعقَّدة بالحفاظ على الطَّفرات الأكثر تكيُّفاً ليس كذلك على الإطلاق. وكما هو حال كل الأنواع، الإنسان أيضاً هو نتاج الصدفة وعمل القوانين».

وبالرغم من أن (داروين) لم يجادل في أن الكائنات الحية محكمة الصنع، وفي أنها تتمتع بصلاحيات عظيمة وفي منتهى الدقة، فإنَّه نسب ذلك كله إلى قدرات الانتخاب الطبيعي على مراكمة الصلاحيات عبر العملية التطورية بدلًا من الاعتراف بدلالة الإتقان على من أتقنه عن قصد وغاية.

فإذا وجد أحدنا ساعةً ملقاة وسط الصحراء فسوف يعلم بالبداهة أن لها صانعًا ذا علمٍ وإرادة صنعها، وأنها ليست نتاجًا عن مجموع عمليات عشوائية طبيعية عمياء، ولا أنها تكونت عن تراكمات للرمال والصخور وعوامل التعرية.

لكنّ الداروينيّين سعوا جاهدين لإقناع الناس بعكس ذلك المفهوم البديهي المنطقي الصحيح الذي يملكه جميع البشر بشكل فطري، وزعموا أنَّ الطبيعة العمياء قادرة على صنع الساعات، بل صنع جميع الكائنات الحية بما في ذلك نحن البشر.

كيف يعمل الإطار الدارويني؟

يعمل الإطار الدارويني بآليتين أساسيتين: الطفرات العشوائية والانتخاب الطبيعي، فالطفرات تُنتج تنوعًا في الصفات أمّا الانتخاب الطبيعي فيحافظ على الصفات الأكثر تكيفًا مع البيئة.

ففي كل جيل، تحدث تغيّرات عشوائية في المادة الوراثية تُعرف بالطفراتالطفرات: هي تغيّرات تحدث في المادة الوراثية نتيجة أخطاء النسخ أو عوامل فيزيائية وكيميائية. (5)، وهذه التغيرات قد تكون نافعة أو ضارة أو محايدة. ومع تراكم هذه التغيرات عبر الأجيال، يظهر أفراد يختلفون في مدى تكيّفهم مع بيئتهم.

وعند التنافس على الموارد المحدودة، تكون الأفضلية للأفراد الأكثر تكيفًا، فينجون ويتكاثرون بنسبة أكبر، ويستحوذون هم وذريتهم على النصيب الأكبر من الموارد.

وبالتالي، تنتشر صفاتهم في الأجيال اللاحقة، مما يدفع تدريجيًا بالأفراد الأقل تكيفًا نحو الانقراض، لأن الموارد لا تكفي الجميع بطبيعة الحال.

رسم كارتوني توضيحي لمفهوم الانتخاب الطبيعي: طائر يلتقط حشرة خضراء بارزة بمنقاره من جذع شجرة بني اللون، بينما الحشرات البنية المموهة تمامًا على الجذع تبقى غير مرئية له، يبرز كيف يفضل التكيف مع البيئة البقاء.وبهذه العملية المستمرة في حِقَبٍ زمنية طويلة، يفترض الإطار الدارويني أن التغيرات الصغيرة يمكن أن تتراكم لتؤدي في النهاية إلى تغيرات كبيرة في الكائنات الحية، بل وقد تؤدي إلى ظهور أنواع جديدة.

فمثلًا: لو وُجِدَ نوعٌ من الحشرات أخضر اللون يعيش طوال الوقت على جذوع الأشجار، فسوف تعاني حشرات ذلك النوع من تهديد الكثير من المفترسين، وذلك لسهولة ملاحظتهم له.

ويستمرُّ هذا إلى أن يحدث تغيّر جيني لأحد أفرادهم يجعل لونه أكثر ميلًا إلى البني، وحينها سيختفي عن عيون المفترسين بشكل أفضل من نظرائه، ويصير هو وذريته أكثر تكيفًا مع بيئتهم، ويكون الصراع على المورد – المتمثل هنا في المكوث على جذوع الأشجار- محسومًا لذوات اللون البني على حساب أقاربها ذوات اللون الأخضر، ما يدفع الحشرات الخضراء إلى الانقراض نتيجة تضاؤل حصتها من الموارد بمرور الوقت.

هذه –باختصار- فكرة الانتخاب الطبيعي التي عُبر عنها لاحقًا بعبارات مثل: «الصراع من أجل البقاء» أو «البقاء للأصلح».

ولو أن الأمر اقتصر على إثبات هذا الأثر الديناميكي التطوري للانتخاب الطبيعي، أو على إمكانية تكيف الكائنات الحية مع الظروف البيئية المتغيرة، لَمَا حَصَلَتْ مشكلة مع نظرية التطور، ولَـكَانَ التعامل معه ممكناً كما يُعامل أي مؤثر بيولوجي آخر يُثَبِّت أو يمحو التغيرات الطفيفة الناشئة- داخل النوع الواحد- في أثناء نسخ الجينات عبر الزمن.

لكن الداروينية بالغت في تأثير الانتخاب الطبيعي في التغيرات الطفيفة، وافترضت أنه مع الوقت ستتراكم الفوائد والصلاحيات من جيل لآخر حتى تُنشئ أنواعًا جديدة من أسلاف مغايرة لها.

مما يعني أن المملكة الحية سيزيد تعقيدها وتنوعها مع الوقت، وستتخلص دائمًا من العناصر والأنواع الأقل كفاءة والأقل صلاحية حتى يبدو كل شيء وكأنه قد وُضع في موضعه الصحيح تمامًا، من غير أن يحصل تدبير أو إرادة أو خطة مسبقة للوصول لهذا الهدف النهائي، وإنما تحصل تغيرات عشوائية تنتجها الطفرات ثم يأتي الانتخاب الطبيعي ليمحو الأقل صلاحية ويدعم الأكثر صلاحية.

وبهذه الطريقة زعمت نظرية التطور أنها تمتلك تفسيرًا كافيًا لظاهرة الحياة -التي تبدو مصممة على حد تعبير دوكينز- بدون حاجة إلى تدخل من إله عليم حكيم.

المشكلة الثانية في نظرية التطور: التعارض مع النصوص القرآنية

وذلك أن التطور يتعارض مع نصوص قرآنية تنص على خلق آدم عليه السلام خلقًا مباشرًا. قال تعالى ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ لما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: 75] وقال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [آل عمران: 59].

ما الفرق بين المشكلتين؟

المشكلتان لا تنتميان إلى الطبقة نفسها، فالأولى تمثل تفسيرًا ماديًا طبيعيًا لكل صور الحياة، مما ينفي أي حاجة إلى دور الخالق في وجود الكائنات الحية وهذا التفسير يُعد أساسًا لنظرية التطور، أما الثانية فهي فرع من فروع النظرية وأحد سردياتها عن أصل الإنسان وهو فرع يُعَدَّل باستمرار داخل النظرية.

ولذلك فمحاولة حصر مشكلتنا مع نظرية التطور في المشكلة الثانية دون الأولى، أو تغيير أولويات النقاش ليركز على الثانية ويتجاهل الأولى، أو الخروج بحل توافقي كما يفعل أنصار التطور الإلهي أو الموجهالتطور الموجه: هو تيار فكري يسعى أصحابه إلى التوفيق بين نظرية التطور والإيمان بالله، فيقبلون الإطار الدارويني كما هو، معتبرين إياه سنة الله في الخلق. وبذلك يكونون قد جعلوا وجود الله فرضية زائدة عن الحاجة؛ –بدلاً من أن يكون ضرورة تفسيرية أساسية–وذلك لأن التطور الدارويني يعتمد أساسًا على الطفرات العشوائية والانتخاب الطبيعي دون حاجة إلى توجيه إلهي من الأساس، فكيف يُقبل ثم يُفترض أن الخالق وجّهه؟!وللمزيد من التفاصيل، يُرجى الاطلاع على كتاب الدكتور هشام عزمي: "التطور الموجه بين العلم والدين" (2016)، صادر عن مركز براهين. (6)، ما هي إلا محاولات فاشلة تجمع بين المتناقضات وتضلل القارئ.

فالأصل أن يُركّز في حوار الملحد على حل المشكلة الأولى، الذي يكون ببيان عدم قدرة آليات نظرية التطور على تقديم تفسير كافٍ لوجود الكائنات الحية. وإذا ما حُلّت المشكلة الأولى وثبت بطلان أصل نظرية التطور وتبينت ضرورة وجود خالق عليم حكيم أوجد هذه المخلوقات، حُلت -تَبعًا لذلك- المشكلة الثانية، لأن السرديات التي تطرحها النظرية عن تطوّرنا وتطوّر الكائنات عمومًا تستمد مصداقيتها من القدرة التفسيرية للآليات، وبزوال المشكلة الأولى تزول الثانية تلقائيًا.

فضلًا عن أن محاولات أنصار التطور الإلهي أو الموجه لحل المشكلة الثانية –بعد ما تجاوزوا المشكلة الأولى- لا تخلو كذلك من تأويلات متكلفة بدون أي سند شرعي صحيح.

ما أبرز الانتقادات العلمية ضد نظرية التطور الداروينية؟

توجد العديد من الانتقادات العلمية الجادة ضد نظرية التطور الداروينية، من أبرزها: التعقيد غير القابل للاختزال، والانفجار الكمبري، ومعضلة التعاونخُصِّص لها في مقال مستقل بعنوان «معضلة التعاون: الطعنة القاتلة لنظرية التطور الداروينية». (7)، ومعضلة أصل الحياة، وظهور اللغة والذكاء لدى الإنسان، وفجوات السجل الأحفوري، وغياب الأدلة على التطور الكبروي، وتضارب نماذج شجرة الحياة، ومشكلة نشأة المعلومات الجينية، والجينات اليتيمة والصفات الجديدة دون أسلاف، إلى جانب اعتراضات أخرى.

وسنقتصر في هذا المقال على تناول بعض هذه الاعتراضات بشكل موجز.

التعقيد غير القابل للاختزال:

ما هو التعقيد غير القابل للاختزال؟

التعقيد غير القابل للاختزال هو مفهوم يشير إلى الأنظمة أو الأعضاء البيولوجية التي تتكون من عدة أجزاء مترابطة، بحيث إذا أُزيل أي جزء منها توقف النظام عن أداء وظيفته الأساسية. وقد صاغَ هذا المصطلحَ عالمُ الكيمياءِ الحيويّة الأمريكي (مايكل بيهي)، في كتابه «صندوق داروين الأسود»صندوق داروين الأسود، مايكل بيهي (2014). دار الكاتب (8) عام 1996م.

مثال توضيحي: «المصعد الكهربائي»

لتوضيح الفكرة يمكن استخدام مثال المصعد الكهربائي: فالمصعد لا يؤدي وظيفته إلا بعد اجتماع جميع أجزائه الأساسية (محرّك، أسلاك، أحبال صلبة، مقصورة المصعد، مصدر طاقة) في ترتيب محدد. وإذا فُقد أي جزء أساسي فلن يعمل المصعد أصلًا، مما يجعله نموذجًا واضحًا للتعقيد غير القابل للاختزال.

كيف يمثّل التعقيد غير القابل للاختزال حجة ضد التطور الدارويني؟

تقوم الحجة على ثلاث نقاط رئيسة:

وجود أنظمة بيولوجية لا تعمل إلا عند اكتمال جميع مكوناتها، مثل السوط البكتيري، ونظام تخثر الدم، وآلية تشفير الحمض النووي، والجهاز المناعي التكيفي.

يفترض التطور التدريجي أن الأنظمة المعقّدة نشأت عبر تراكم مراحل بسيطة تقدم فوائد وظيفية في كل مرحلة.

إذا لم تقدم المراحل الوسيطة فائدة جزئية مستقلة، فإن الانتخاب الطبيعي لا يملك تفسيرًا لظهور النظام الكامل.

كيف رد التطوريون على حجة التعقيد غير القابل للاختزال؟

رد التطوريون بفكرة «التكيف المسبق» ومفادها أن الأجزاء التي تشكل النظام المعقد كانت تؤدي في الأصل وظائف مختلفة، ثم تدريجيًا تغيرت واندمجت لتؤدي وظيفة جديدة أكثر تعقيدًا. وبهذا يستطيع الانتخاب الطبيعي الاحتفاظ بالأجزاء ذات الفوائد الجزئية حتى تتجمع في النهاية ضمن نظام معقد.

ما هو الرد على حجة التكيف المسبق؟

أولًا: المنطق سطحي للغاية

لو طبقنا فكرة التكيف المسبق على المصعد الكهربائي، نحصل على سيناريو هزلي: أحبال صلبة وبكرات أحضرها لص لسرقة خزينة ضخمة، محرك اشتراه أحد السكان لتشغيل رافعة بناء، ومحولات كهربائية وضعها آخر لإضاءة حفل زواجه. ثم تعثر اللص فسقطت الخزينة على المحرك واختلطت الأسلاك، فتم تشغيل النظام وتكوّن مصعد بدائي «بالصدفة» يمكن أن يطوره سكان المبنى لاحقًا.

هذا التفسير الذي يعتمد على أغراض مختلفة تمامًا عن الغرض النهائي هو بالضبط المنطق التطوري الكامن في فكرة التكيف المسبق.

ثانيًا: لا يحل جوهر المشكلة

الاحتجاج بالتكيف المسبق لا يُسوِّغ الوصول إلى الوظيفة المعقدة النهائية من خلال بتتبع الوظائف الجزئية.

فأر يمثل الانتخاب الطبيعي يطارد قطع جبن صغيرة (فوائد جزئية) داخل متاهة معقدة، لكنه لا يصل إلى البيتزا (وظيفة معقدة غير قابلة للاختزال) عند المخرج إلا إذا تتبع المسار الصحيح. ولتوضيح ذلك نضرب مثلًا بفأر «يمثّل الانتخاب الطبيعي» الذي يلاحق قطع الجبن «تمثل الفوائد الجزئية» داخل متاهة وليس لديه أي توجيه يدفعه للخروج من المتاهة والحصول على البيتزا «تمثل الوظيفة المعقدة غير القابلة للاختزال» عند مخرج المتاهة، فإن حركته تبقى عشوائية ما لم يسلك مسارًا مسار من خطوات متتابعة نحو هدف محدد.

وعليه، لن يكون الانتخاب الطبيعي موجَّهًا، وقد يظل يتنقل بين الفوائد الجزئية إلى ما لا نهاية من غير مسوِّغ يدفعه لمواصلة السير في اتجاه معين حتى يخرج من المتاهة ويصل إلى وظيفة نهائية غير قابلة للاختزال.

الانفجار الكمبري:

يُطلق مصطلح الانفجار الكمبري على ظاهرة بيولوجية حدثت منذ حوالي 539 مليون سنة مضت، إذ تسارع ظهور معظم شعب الكائنات الحيوانية (نحو 95% منها) في مدَّة زمنية قصيرة نسبيًا، وبدون وجود أحافير انتقالية واضحة لأسلافها المشتركة، مما يثير تساؤلات حول مدى توافقها مع نموذج التطور التدريجي البطيء الذي اقترحه (داروين).

فقد استغرق الانفجار الكمبري حوالي 10-20 مليون سنة تقريبًا، وهذه المدة تمثل أقل من 1% من تاريخ الحياة على الأرض، الذي يمتد لأكثر من 3.5 مليار سنة.

وإذا مثلنا عمر الحياة على الأرض على أنه يوم واحد (24 ساعة)، فإن الأرض تبقى خالية من معظم أشكال الحياة المعقدة –باستثناء بعض الكائنات الأولية والقليل من الكائنات متعددة الخلايا– حتى تمضي نحو 21 ساعة. ثم، في خلال دقيقة واحدة فقط، يحدث الانفجار الكمبريللمزيد من التفاصيل، يُرجى الاطلاع على كتاب الدكتور ستيفن ماير: "شك داروين" (2016)، صادر عن مركز براهين. (9) وتظهر معظم شعب الكائنات الحيوانية التي نعرفها اليوم.

وهذا التشبيه يبرز التعارض الواضح مع فكرة التغير البطيء التدريجي عبر الزمن، التي أسس عليها (داروين) نظريته.

تضارب نماذج شجرة الحياة:

نسخة طبق الأصل من أول رسم تخطيطي معروف لتشارلز داروين لشجرة التطور التي تصف العلاقات بين مجموعات الكائنات الحيةشجرة الحياة هي نموذج تطوري يُمثّل العلاقات التطورية بين الكائنات الحية، ويفترض أن جميع الأنواع تنحدر من سلفٍ مشتركٍ واحد، وتتفرّع هذه الشجرة مع مرور الزمن بناءً على التغيّرات الوراثية والتكيفات.

فإذا كانت الأنواع قد نشأت بعضها من بعض، فإن العودة بالزمن إلى الوراء يجب أن تُظهر اندماج الأنواع تدريجيًا حتى يبقى نوعٌ أصلي واحد هو سلف الحياة كلها.

لكن هل أكد العلم التجريبي صحة هذا الفرض الدارويني؟

الجواب: لا.

وهذا على جميع المستويات، وباستخدام كل ما يمكن أن يكون مقياسًا لمثل هذه القرابة المزعومة بين الكائنات الحية.

فلو اعتمدنا على تشابه البيانات الجينية الجزيئية «تشابه الجيناتWolf، Y. I.، Rogozin، I. B.، Grishin، N. V.، & Koonin، E. V. (2002). Genome trees and the tree of life. TRENDS in Genetics، 18(9)، 472-479.https://doi.org/10.1016/S0168-9525(02)02744-0 (10)،Bapteste، E.، Susko، E.، Leigh، J.، MacLeod، D.، Charlebois، R. L.، & Doolittle، W. F. (2005). Do orthologous gene phylogenies really support tree-thinking?. BMC Evolutionary Biology، 5(1)، 33.https://doi.org/10.1186/1471-2148-5-33 (11) أو البروتيناتKoonin، E. V.، & Wolf، Y. I. (2010). The common ancestry of life. Biol Direct، 5(1)، 64-64.https://doi.org/10.1186/1745-6150-5-64 (12) بين الأنواع المختلفة»، فستَنقلع تلك الشجرة من جذورها وتتمزق كلَّ ممزقٍ.

ولو قارنا بين تشابه بيانات الشكل الخارجي التشريحي والبيانات الجزيئيةDávalos، Liliana M.، et al. "Understanding phylogenetic incongruence: lessons from phyllostomid bats." Biological Reviews 87.4 (2012): 991-1024.https://doi.org/10.1111/j.1469-185X.2012.00240.x (13)، فسيزداد التضارب حتى نجد أنفسنا أمام غابةٍ متضاربةٍ من الأشجار.

ولو تركنا هذا كله وذهبنا إلى المقارنة بين الأنواع عن طريق تشابه الشكل الخارجي التشريحي، كما فعل (تشارلز داروين) لبناء شجرته المزعومة، فسنَعثر على عشرات الأنواع المتشابهة إلى حدّ التطابق، ولا يمكن أن يربط بينها أي سلفٍ مشتركٍ مباشر، مما اضطرّ التطوريين إلى تسمية هذه الظاهرة باسم «التطور المتقارب».

وهي في الحقيقة ظاهرة تعارض المسلّمة التطورية التي تفترض أنَّه كلما ازداد التشابه بين نوعين، ازدادت دلالته على وجود سلفٍ مشترك تطوَّرا عنه.

الأنواع في الجرابيات في أستراليا (العمود الأيسر) والمشيميات في أوروبا وأمريكا (العمود الأيمن) الناتجة عن التطور التقاربي فمثلًا: الثدييات المشيمية -في النصف اليمين من الصورة- والجرابية -في النصف اليسار- يظهران تطابقًا في الشكل الخارجي.

لكن التحليل الجيني يكشف عن انفصالٍ تطوريٍ كامل بينهما. ولا يمكن إرجاع التشابه بينهما إلى سلفٍ مشتركٍ مباشر، لأنهما -وفقًا للسردية التطورية- قد انفصل أسلافهما قبل انقراض الديناصورات.

خاتمة:

نظريةُ التطور الداروينية تواجه تحدياتٍ علميةً جوهريةً تجعلها غير قادرةٍ على تفسير التعقيد البيولوجي في الكائنات الحية. فمن ظاهرة التعقيد غير القابل للاختزال المنتشرة في كثيرٍ من الأنظمة الحية، إلى الانفجار الكمبري الذي يعكس ظهورًا مفاجئًا للتنوع الحيوي، مرورًا بتضارب نماذج شجرة الحياة، وبذلك تعلن الآليات الداروينية أنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن القول بوجود خالقٍ عليمٍ حكيمٍ أوجد هذه الكائنات وفق تدبيرٍ مسبق.

شارك المحتوى: