خطبة (وتُعَزِّروه وتُوَقِّروه)

خطبة (وتُعَزِّروه وتُوَقِّروه)

عنوان الخطبة: وتُعَزِّروه وتُوَقِّروه

عناصر الخطبة:

١- تعظيمُ الصحابةِ لرسولِ اللهِ ﷺ

٢- علوُّ مقامِ النبيِّ ﷺ عندَ ربِّه

٣- صورُ توقيرِ الرسولِ ﷺ

٤- إيّاكم والغلوَّ

الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي رَفَعَ شَأنَ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى العَالَمِينَ، وَأَثنَى عَلَيهِ بِالخُلُقِ العَظِيمِ، وَجَعَلَهُ عَلَى الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ حَقَّ التَّقوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجوَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .

عَبْدَ اللَّهِ:

يومَ الحُدَيبِية أرسلت قريشٌ رجالاتها تفاوضُ رسول الله ﷺ، ومن هؤلاء عُروةُ بنُ مسعودٍ الثقفيُّ، وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ، فكان إذا تَكَلَّمَ أَخَذَ بِلِحْيَة رسول الله ﷺ، وَالمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ رضي الله عنه قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ المِغْفَرُ، فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ، وَقَالَ لَهُ: «أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ!» ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَيْنَيْهِ، فلمَّا رَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ من المشركين، قَالَ: «أَيْ قَوْمِ! وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى المُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ، وَكِسْرَى، وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا، وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ»صحيح البخاري (٢٧٣١)، من حديث المسوَر بن مَخرَمة رضي الله عنه. (١).

رَضِيَ اللَّهُ عَن أُسُدِ الغَابَةِ المَيَامِينِ، أَصحَابِ النَّبِيِّ الأَمِينِ ﷺ، فَلَقَدِ امتَثَلُوا قَولَ اللَّهِ القَائِلِ: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ ‌وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفتح: ٨-٩].

لَقَد بَلَغَ بِهِم تَوقِيرُهُم لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ -مَا قَالَهُ عَمرُو بنُ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ-: «وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ»صحيح مسلم (١٢١)، من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه. (٢).

يَكُونُونَ عِندَهُ «كَأَنَّمَا عَلَى رُؤوسِهِمُ الطَّيرُ»رواه أبي داود (٣٨٥٥)، من حديث أسامة بن شريك رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٣٢). (٣)، وَلَا يَرفَعُونَ رُؤُوسَهُم إِلَيهِ؛ إِعظَامًا لَهُرواه الحاكم في المستدرك (٤١٥)، من حديث بُريدة بن الحصيب رضي الله عنه، وإسناده حسن. (٤).

إِنَّ تَعظِيمَ النَّبِيِّ ﷺ وَتَوقِيرَهُ وَاحتِرَامَهُ فَرضٌ لَازِمٌ وَحَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، وَقَد وَعَدَ اللَّهُ بِالفَلَاحِ مَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَالَ سُبحَانَهُ: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ ‌وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:١٥٧].

عِبَادَ اللَّهِ:

مَا أَعظَمَ مَقَامَ النَّبِيِّ ﷺ عِندَ رَبِّهِ، فَقَد رَفَعَ اللَّهُ ذِكرَهُ، وَأَعلَى شَأنَهُ، وَزَكَّى خُلُقَهُ، وَطَهَّرَ فُؤَادَهُ، وَمَجَّدَ مَنطِقَهُ وَعَقلَهُ.

قَالَ تَعَالَى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * ‌مَا ‌ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ١-٤].

وقال سبحانه: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: ٤].

وقال سبحانه: وَإِنَّكَ ‌لَعَلَى ‌خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤].

إِنَّهُ سَيِّدُ البَشَرِ أَجمَعِينَ، صَاحِبُ المَقَامِ المَحمُودِ، خَلِيلُ الرَّحمَنِ، أَوَّلُ مَن يَفتَحُ بَابَ الجَنَّةِ ﷺ.

يَقُولُ ﷺ: «أَنَا أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ»صحيح مسلم (١٩٦)، من حديث أنس رضي الله عنه. (٥).

ويَقُولُ ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الحَمْدِ وَلَا فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ -آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ- إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ وَلَا فَخْرَ»جامع الترمذي (٣٦١٥)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٥٧١). (٦).

عِبَادَ اللَّهِ:

إِنَّ تَعظِيمَ النَّبِيِّ ﷺ وَتَوقِيرَهُ يَكُونُ بِكُلِّ قَولٍ وَفِعلٍ يَلِيقُ بِمَقَامِهِ وَقَدرِهِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ فِيهِ.

وَمِن ذَلِكَ أَن يُدعَى بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، لَا كَآحَادِ النَّاسِ بِاسمِهِ المُجَرَّدِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَادَى أَنبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ بِأَسمَائِهِم، إِلَّا نَبِيَّنَا ﷺ، فَمَا نَادَاهُ فِي كِتَابِهِ إِلَّا بِـ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ وَيَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ، بَل نَهَى سُبحَانَهُ أَن يُنَادَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا يُنَادَى غَيرُهُ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: ٦٣].

وَإِنَّ مِن أَدَلِّ عَلَامَاتِ التَّعظِيمِ وَالتَّوقِيرِ تَقدِيمَ قَولِهِ وَحُكمِهِ وَسُنَّتِهِ عَلَى مَن سِوَاهُ.

قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات: ١].

وَقَالَ سُبحَانَهُ: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ ‌الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [الأحزاب: ٣٦].

إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ رَفعَ الصَّوتِ عَلَى صَوتِهِ، وَالجَهرَ عَلَيهِ بِالقَولِ، وَهَذَا إِن كَانَ فِي حَيَاتِهِ، فَكَذَلِكَ بَعدَ مَمَاتِهِ، لَا حُكمَ أَعلَى مِن حُكمِهِ، وَلَا قَولَ وَلَا هَدْيَ وَلَا سُنَّةَ مَعَ قَولِهِ وَسُنَّتِهِ، وَذَاكُم وَاللَّهِ مِن تَقوَى القُلُوبِ.

قَالَ تَعَالَى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌لَا ‌تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [الحجرات: ٢-٣].

لَقَد تَأَدَّبَ الصَّحَابَةُ بِهَذَا الأَدَبِ الرَّفِيعِ، فَكَانُوا يَغُضُّونَ بَينَ يَدَيهِ أَصوَاتَهُم، حَتَّى إِنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ لَمَّا نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: «كان إِذَا حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ بِحَدِيثٍ حَدَّثَهُ كَأَخِي السِّرَارِ (يعني كصاحب السرّ)، لَمْ يُسْمِعْهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ»صحيح البخاري (٧٣٠٢)، من طريق عبد الله بن الزبير رضي الله عنه. (٧).

بَل يَقُولُ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: «إِنَّ أَبْوَابَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تُقْرَعُ بِالأظَافِيرِ»الأدب المفرد (١٠٨٠)، من حديث أنس رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح الأدب (٨٢٨). (٨).

إِنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُعَارِضُونَ قَولَهُ وَسُنَّتَهُ بِآرَاءِ الرِّجَالِ وَأَهوَاءِ المُفَكِّرِينَ مَا عَظَّمُوا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا وَقَّرُوهُ ﷺ.

أَيُّ إِنسَانٍ هَذَا وَأَيُّ مُفَكِّرٍ ذَاكَ الَّذِي يُسَاوِي قَدْرُهُ وَفِكرُهُ وَرَأيُهُ قَولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَعصُومِ الَّذِي لَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى؟

رَضِيَ اللَّهُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ يَومَ أَن صَلَّى خَلفَ النَّبِيِّ ﷺ وَحدَهُ فَأَقَامَهُ بِحِذَائِهِ، إِلَّا أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ عَادَ فَصَلَّى خَلفَهُ، فَلَمَّا انتَهَى مِن صَلَاتِهِ سَأَلَهُ قَائِلًا: «مَا شَأْنِي أَجْعَلُكَ حِذَائِي فَتَخْنِسُ؟!» فَقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوَيَنبَغِي لِأَحَدٍ أَن يُصَلِّيَ حِذَاءَكَ وَأَنتَ رَسُولُ اللَّهِ الَّذِي أَعطَاكَ اللَّهُ؟ فَدَعَا اللَّهَ له أَنْ يَزِيدَه عِلْمًا وَفَهْمًا»المسند (٣٠٦٠)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٦٠٦). (٩).

إِنَّ السَّادَةَ مِنَ الصَّحَابَةِ مَا كَانُوا يَعتَدُّون بأحدٍ من البشَر معَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَائِنًا مَن كَانَ.

فَهَذَا عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا يَقُولُ يَومًا: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا»، فَقَالَ أحد بنيه: وَاللهِ لَنَمنَعُهُنَّ! فَأَقبَلَ عَلَيهِ عَبدُ اللهِ، فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا، وَقَالَ: «أُخبِرُكَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتَقُولُ: وَاللهِ لَنَمنَعُهُنَّ؟!»صحيح مسلم (٤٤٢)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. (١٠).

وَهَذَا عِمرَانُ بنُ حُصَينٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ»، فَقَالَ بُشَيرُ بنُ كَعبٍ: «مَكتُوبٌ فِي الحِكمَةِ: إِنَّ مِنَ الحَيَاءِ وَقَارًا، وَإِنَّ مِنَ الحَيَاءِ سَكِينَةً» (يعني ضعفًا)، فَقَالَ لَهُ عِمرَانُ: «أُحَدِّثُكَ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتُحَدِّثُنِي عَن صَحِيفَتِكَ؟!»صحيح البخاري (٦١١٧)، وصحيح مسلم (٣٧)، من حديث عمران بن الحصين رضي الله عنهما. (١١).

وَسَارَ عَلَى هَذَا المَنهَجِ كُلُّ مُعَظِّمٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَن بَعدَهُم مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَأَئِمَّةِ الهُدَى، لَا يُقَدِّمُونَ مَتْبُوعًا وَلَا رَأيًا وَلَا ذَوقًا وَلَا فِكرًا عَلَى قَولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ تَعظِيمًا لَهُ.

فَهَذَا ابنُ أَبِي ذِئبٍ الإِمَامُ العَلَمُ يُحَدِّثُ يَومًا بِحَدِيثٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: «تَأخُذُ بِهِ يَا أَبَا الحَارِثِ؟ فَضَرَبَ صَدرَه وَصَاحَ بِه صِيَاحًا كَثِيرًا، وَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ تَأْخُذُ بِهِ؟! نَعَمْ آخُذُ به، وَذَلِكَ الْفَرْضُ عَلَيَّ وَعَلَى مَنْ سَمِعَ، إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ مُحَمَّدًا ﷺ مِنَ النَّاسِ فهداهم به وَعَلَى يَدَيْهِ، وَاخْتَارَ لَهُ وَعَلَى لِسَانِهِ، فَعَلَى الْخَلْقِ أَنْ يَتَّبِعُوهُ طَائِعِينَ وَدَاخِرِينَ لَا مَخْرَجَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ»ذم الكلام وأهله للهروي (٤/١٣٢). (١٢).

وَرَحِمَ اللَّهُ الإِمَامَ الشَّافِعِيَّ يَومَ أَن أَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَن مَسأَلَةٍ فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَجُلٌ لِلشَّافِعِيِّ: أَنتَ مَا تَقُولُ؟ قَالَ الشَّافِعِيُّ: «تَرَانِي فِي كَنِيسَةٍ؟! تَرَانِي فِي بِيعَةٍ؟! تَرَى عَلَى وَسَطِي زُنَّارًا؟! أَقُولُ لَكَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَنْتَ تَقُولُ لِي: مَا تَقُولُ أَنْتَ؟!»ذم الكلام وأهله للهروي (٢/٢٩٩). (١٣).

إِنَّ مِن تَوقِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اجتِنَابَ كُلِّ مَا فِيهِ إِسَاءَةُ أَدَبٍ مَعَهُ، وَتَنزِيهَ مَقَامِهِ مِن كُلِّ عَيبٍ أَو نَقصٍ يُنَافِي عِصمَتَهُ، فَإِنَّ سَبَّ النَّبِيِّ ﷺ أَو عَيبَهُ أَو انتِقَاصَهُ أَوِ الغَضَّ مِنهُ رِدَّةٌ عَنِ الإِسلَامِ، مُنَاقِضَةٌ لِتَوقِيرِهِ وَتَعظِيمِهِ، بَل قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ: «من قال: إنَّ إزارَ النبيِّ ﷺ وسِخ، أراد به عيبَه؛ قُتِلَ»البيان والتحصيل لابن رشد (١٦/٣٩٨). (١٤).

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَأَستَغفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُم فَاستَغفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبةُ الثانيةُ

الحَمدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن وَالَاهُ، وَبَعدُ:

جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَومًا فَقَالَ: «يَا سَيِّدَنَا وَابنَ سَيِّدِنَا! وَيَا خَيرَنَا وَابنَ خَيرِنَا!» فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا بِقَوْلِكُمْ وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللَّهُ»المسند (١٢٥٥١)، من حديث أنس رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٠٩٧). (١٥).

إِنَّ تَعظِيمَ النَّبِيِّ ﷺ وَتَوقِيرَهُ لَا يَكُونُ بِالغُلُوِّ فِيهِ، وَلَا يَكُونُ بِالِاستِغَاثَةِ بِهِ، وَلَا يَكُونُ بِرَفعِهِ إِلَى مَقَامِ الأُلُوهِيَّةِ، وَلَا بِالمُحدَثَاتِ وَالبِدَعِ، كَاستِحدَاثِ الِاحتِفَالَاتِ فِي ذِكرَى مَولِدِهِ، فَإِنَّ مَن نَاقَضَ دَعوَتَهُ الَّتِي بُعِثَ بِهَا ﷺ، أَوِ استَدرَكَ عَلَى شَرِيعَتِهِ وَسُنَّتِهِ، لَم يُعَظِّمهُ وَلَم يُوَقِّرهُ.

عُنوَانُ التَّعظِيمِ وَالتَّوقِيرِ الأَكبَرِ السَّيرُ عَلَى مَنهَجِهِ، بِتَوحِيدِ اللَّهِ، وَاتِّبَاعِ هَديِهِ وَسُنَّتِهِ، وَسُلُوكِ غَايَةِ الأَدَبِ مَعَهُ ﷺ، وَأَلَّا يُعبَدَ اللَّهُ إِلَّا بِمَا شَرَعَ.

اللَّهُمَّ مَسِّكنَا هَدْيَ رَسُولِكَ ﷺ، وَاحشُرنَا تَحتَ لِوَائِهِ، وَاسقِنَا مِن حَوضِ سُنَّتِهِ فِي الدُّنيَا، وَمِن حَوضِهِ الشَّرِيفِ فِي الآخِرَةِ.

اللَّهُمَّ أَعِنَّا وَلَا تُعِن عَلَينَا، وَانصُرنَا وَلَا تَنصُر عَلَينَا، وَامكُر لَنَا وَلَا تَمكُر عَلَينَا، وَانصُرنَا عَلَى مَن بَغَى عَلَينَا.

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَلْ وِلَايَتَنَا فِيمَن خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ.

اللهمّ كُن لإخوانِنا المستضعفِينَ في غزّةَ وفي كلِّ مكانٍ، واكتُب لهم نَصرًا وفَرَجًا قريبًا.

عِبَادَ اللَّهِ: اُذكُرُوا اللَّهَ ذِكرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلًا، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

 

شارك المحتوى: