خطبة (عُقوقٌ معاصِر)

خطبة (عُقوقٌ معاصِر)

عنوان الخطبة: عُقوقٌ معاصِر

عناصر الخطبة:

١- تعظيم حق الأبوين

٢- وجوب البر وتحريم العقوق

٣- السخرية وتحطيم قدر الأبوين

٤- طاعة الوالدين ليست مطلقة

الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسَانِ، وَيَنهَى عَنِ الظُّلمِ وَالطُّغيَانِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ حَقَّ التَّقوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجوَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .

عبادَ اللهِ:

فِي ذَاتِ لَيلَةٍ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ فِي الجَنَّةِ، قَالَ: «فَسَمِعْتُ صَوْتَ قَارِئٍ يَقْرَأُ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَاكَ الْبِرُّ، كَذَاكَ الْبِرُّ» وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهالمسند (٢٥١٨٢)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٩١٣) (١).

إِنَّ حَقَّ الوَالِدَينِ مِن أَعظَمِ الحُقُوقِ بَعدَ حَقِّ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، لِذَا أَتبَعَ رَبُّنَا فِي كِتَابِهِ ذِكْرَ حقِّه بذِكْرِ حَقِّ الوَالِدَينِ فَقَالَ: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ ‌إِحْسَانًا [النساء: ٣٦].

وَقَالَ سُبحَانَهُ: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان: ١٤].

آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ تُقَرِّرُ وُجُوبَ الإِحسَانِ إِلَى الوَالِدَينِ وَشُكرِهُمَا بِالقَولِ وَالعَمَلِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الوَالِدَينِ سَبَبُ وُجُودِ الأَولَادِ، قَضَيَا حَيَاتَهُمَا عَمَلًا وَبَذْلًا وَتَضحِيَةً لِأَجلِهِم، يُؤْثِرَانِ أَولَادَهُمَا عَلَى أَنفُسِهِمَا، لَا يَهنَآنِ بِالحَيَاةِ إِلَّا عِندَ سَعَادَتِهِم، وَلِذَا كَانَ بِرُّهُمَا مِن أَحَبِّ الأَعمَالِ إِلَى اللَّهِ.

فَلَقَد سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قِيلَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ» قَيلَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»صحيح البخاري (٥٢٧)، وصحيح مسلم (٨٥)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. (٢).

وَقَدَّمَ الإِسلَامُ الأُمَّ عَلَى الأَبِ فِي البِرِّ، وَذَلِكَ لِلمَشَقَّةِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَحَمَّلَتْهَا فِي حَملِهِ وَوَضْعِهِ وَالقِيَامِ عَلَيهِ عِندَ صِغَرِهِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ‌حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف: ١٥].

وجَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ». قَالَ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ»صحيح البخاري (٥٩٧١)، وصحيح مسلم (٢٥٤٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٣).

وقَالَ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ -ثَلَاثًا-، إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِآبَائِكُمْ، إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ»سنن ابن ماجه (٣٦٦١)، من حديث المقداد بن معدي كرب رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (٤٤). (٤).

وَلَمَّا جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَستَأذِنُهُ فِي الجِهَادِ سَأَلَهُ: «أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟» قالَ: نَعَم، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «وَيْحَكَ! الْزَمْ رِجْلَهَا، فَثَمَّ الْجَنَّةُ!»سنن ابن ماجه (٢٧٨١)، من حديث معاوية بن جاهمة رضي الله عنه، وحسنه الألباني في الإرواء (٥/٢١). (٥).

وهذا رَجُلٌ يَمَانِيٌّ رآه ابنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَطُوفُ بِالبَيتِ، حَمَلَ أُمَّهُ وَرَاءَ ظَهرِهِ، يَقُولُ:

إِنِّي لَهَا بَعِيرُهَا المُذَلَّلْ

إِن أُذعِرَت رِكَابُهَا لَم أُذعَرْ

ثُمَّ قَالَ: «يَا ابنَ عُمَرَ! أَتُرَانِي جَزَيتُهَا؟» قَالَ: «لاَ، وَلاَ بِزَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ»الأدب المفرد صحيح البخاري (٢٦٥٤)، وصحيح مسلم (٨٧)، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه. (١١)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد الجامع لابن وهب (١٠٦). (٩). (٦).

ثُمَّ ثَنَّى سُبحَانَهُ بَعدَ الأُمَّهَاتِ بِالآبَاءِ، وَذَلِكَ لِعَظِيمِ بَذْلِهِ لِأَولَادِهِ مِنَ القِيَامِ عَلَيهِم بِالنَّفَقَةِ وَالتَّربِيَةِ وَتَحَمُّلِ المَشَاقِّ فِي سَبِيلِ ذَلِكَ، وَلِذَا قَالَ ﷺ: «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ»جامع الترمذي (١٨٩٩)، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٥١٦). (٧).

وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ»صحيح مسلم (١٥١٠)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٨).

وَقَد حَرَّمَ اللَّهُ العُقُوقَ، حَتَّى إِنَّهُ سُبحَانَهُ نَهَى عَن أَدنَى الأَذَى وَهُوَ التَّأَفُّفُ وَالضَّجَرُ، فَقَالَ تَعالَى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ‌وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء: ٢٣-٢٤].

وَالقَولُ الكَرِيمُ هُوَ كُلُّ قَولٍ مُؤَدَّبٍ لَطِيفٍ لَيِّنٍ حَسَنٍ، حَتَّى إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ سَعِيدَ بنَ المُسَيِّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَالَ: «كُلُّ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي القُرآنِ مِن بِرِّ الوَالِدَينِ عَرَفتُهُ، إِلَّا قَولَهُ: وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء: ٢٣] مَا هَذَا القَولُ الكَرِيمُ؟» فَقَالَ ابنُ المُسَيِّبِ: «قَوْلُ الْعَبْدِ الْمُذْنِبِ لِلسَّيِّدِ الْفَظِّ»الجامع لابن وهب (١٠٦). (٩)، يَعنِي أَن يُخَاطِبَ الِابنُ وَالِدَيهِ كَمَا يُخَاطِبُ العَبدُ المُخطِئُ سَيِّدَهُ الشَّدِيد.

وَلَمَّا جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَائِلًا: «إِنِّي جِئتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الهِجرَةِ، وَلَقَد تَرَكتُ أَبَوَيَّ يَبكِيَانِ»، قَالَ: «ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا»سنن النسائي (٤١٦٣)، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وصححه الألباني في إرواء الغليل (١١٩٩). (١٠).

عبادَ اللهِ:

إِنَّ مِمَّا عَمَّت بِهِ البَلوَى فِي السَّنَوَاتِ الأَخِيرَةِ مَا أَحدَثَتْهُ وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ الحَدِيثَةِ مِن إِشَاعَةِ المُنكَرَاتِ، وَذَلِكَ عَن طَرِيقِ بَثِّ المَقَاطِعِ الَّتِي تَحتَوِي عَلَى مَا لَا يُرضِي اللَّهَ تَعَالَى، وَمِن ذَلِكَ تِلكَ المَقَاطِعُ الَّتِي تَحُثُّ الأَولَادَ عَلَى عُقُوقِ وَالِدِيهِم، وَذَلِكَ بالسُّخرِيَةِ مِنهُم وَمِن حِرصِهِم وَنُصحِهِم وَبَذلِهِم، معَ تَقدِيمِ ذَلِكَ فِي قَالَبٍ هَزْلِيٍّ مُضحِكٍ، حَتَّى تَجَرَّأَ كَثِيرٌ مِن أَولَادِ المُسلِمِينَ عَلَى وَالِدِيهِم وَعَلَى احتِقَارِ أَفعَالِهِم.

إِنَّ العُقُوقَ كَبِيرَةٌ مِن كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، بَل جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عُقُوقَ الوَالِدَينِ مِن أَكبَرِ الكَبَائِرِصحيح البخاري (٢٦٥٤)، وصحيح مسلم (٨٧)، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه. (١١).

وقال النبيُّ ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ»سنن النسائي (٢٥٦٢)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٦٧٤). (١٢).

وَإِن كَانَ إِيذَاءُ الأَبَوَينِ بِكَلِمَةِ أُفٍّ عُقُوقًا مُحَرَّمًا، فَكَيفَ بِالسُّخرِيَةِ وَالضَّحِكِ وَمُحَاكَاةِ أَفعَالِهِم عَلَى سَبِيلِ التَّنَقُّصِ وَالِازدِرَاءِ؟!

أَلَم يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌لَا ‌يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ [الحجرات: ١١].

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا»سنن أبي داود (٤٨٧٥)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وصححه الألباني في تحقيق رياض الصالحين (١٥٣٣). (١٣).

وَتِلكَ المُحَاكَاةُ عَلَى وَجهِ التَّنَقُّصِ عُقُوقٌ وَغِيبَةٌ، وَكِلَاهُمَا مِنَ الكَبَائِرِ، وَقَد عَدَّ العُلَمَاءُ أَنَّ كُلَّ مَا أَفهَمتَ بِهِ غَيرَكَ نُقصَانَ مُسلِمٍ، فَهُوَ غِيبَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَمِن ذَلِكَ المُحَاكَاةُ بِأَن تَمشِيَ مُتَعَارِجًا أَو مُطَأطِئًا، أَو غَيرَ ذَلِكَ مِنَ الهَيئَاتِ مُرِيدًا حِكَايَةَ هَيئَةِ مَن تَنتَقِصُهُ بِذَلِكَشرح المشكاة للطيبي (١٠/٣١١٨). (١٤).

لَقَد قَالَ نَبِيُّنَا ﷺ: «مِنَ الْكَبَائِرِ -وفي رواية: إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ- شَتْمَ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهَل يَشتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ»صحيح البخاري (٥٩٧٣)، وصحيح مسلم (٩٠)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. (١٥).

تَعَجَّبَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُم مِن شَتْمِ الرَّجُلِ وَالِدَيهِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الفِطرَةِ، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ بِالتَّسَبُّبِ بِهِ، وَعَدَّهُ مَعَ ذَلِكَ مِن أَكبَرِ الكَبَائِرِ! فَكَيفَ بِمَن يَستَهزِئُ بِهِمَا صَرَاحَةً، فَيُقَلِّدُ حَزْمَ أَبِيهِ، أَو يَلبَسُ الحِجَابَ كَأُمِّهِ، لِيَجعَلَهُمَا مَادَّةً لِلسُّخرِيَةِ وَالتَّهَكُّمِ، وَيَصرِفَ إِلَيهِ الأَنظَارَ، وَيَستَكثِرَ مِنَ المُعجَبِينَ وَالمُتَابِعِينَ، وَهَل يَدُلُّ ذَلِكَ إِلَّا عَلَى انتِكَاسِ الفِطرَةِ، وَرِقَّةِ الدِّينِ، وَانعِدَامِ المُرُوءَةِ؟ وَهَل يَصُبُّ ذَلِكَ إِلَّا فِي مَصلَحَةِ دُعَاةِ الإِفسَادِ، الَّذِينَ يُرِيدُونَ تَقوِيضَ الأُسَرِ، وَتَقطِيعَ وَشَائِجِهَا، وَضَربَ بَعضِهَا بِبَعضٍ؟!

إِنَّ تَوقِيرَ الأَبَوَينِ وَاحتِرَامَهُمَا مِن مُهِمَّاتِ الشَّرِيعَةِ، ويُحَافِظُ عَلَى التَّرَابُطِ الأُسْرِيِّ، وَيُبقِي قِيمَةَ الأَبَوَينِ فِي المَوضِعِ الَّذِي أَنزَلَهُمَا اللَّهُ فِيهِ.

وَلِذَا وَصَّى أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ رَجُلًا بِأَبِيهِ فَقَالَ: «لاَ تُسَمِّهِ بِاسْمِهِ، وَلاَ تَمْشِ أَمَامَهُ، وَلا تَجْلِسْ قَبْلَهُ»الأدب المفرد (٤٤)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (٣٢). (١٦).

وَقَالَ طَاوُوسٌ رَحِمَهُ اللهُ: «مِن السُّنَّة أن يُوقَّر أربعةٌ: العالم، وذو الشيبة، والسُّلطان، والوالد»المصنف (٢٠١٣٣). (١٧).

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَأَستَغفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُم فَاستَغفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبةُ الثانيةُ

الحَمدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن وَالَاهُ، وَبَعدُ:

عبادَ اللهِ:

إِنَّ الإِسلَامَ هُوَ الصِّرَاطُ المُستَقِيمُ، دِينُ العَدلِ الَّذِي لَا مَيلَ فِيهِ وَلَا هَوًى، لِذَا معَ تَأكِيدِهِ حَقَّ الوَالِدَينِ وَالأَمرَ بِطَاعَتِهِمَا فإنَّه لَم يَجعَل ذَلِكَ فِي كُلِّ شَيءٍ، وَلِذَا قَالَ تعالَى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ‌وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان: ١٥].

فَلَا طَاعَةَ لِأَحَدٍ فِي مَعصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ»صحيح البخاري (٤٣٤٠)، وصحيح مسلم (١٨٤٠)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. (١٨).

وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الأُمَرَاءِ: «مَنْ أَمَرَكُمْ مِنْهُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَلَا تُطِيعُوهُ»سنن ابن ماجه (٢٨٦٣)، من حديث المقداد بن معدي كرب رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٣٢٤). (١٩).

وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَى الِابنِ طَاعَةُ الوَالِدَينِ فِيمَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَيهِ أَو لَا مَصلَحَةَ لَهُمَا فِيهِ، فَحِينَئِذٍ لَا تَجِبُ الطَّاعَةُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»مسند أحمد (٢٨٦٥)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه الألباني في إرواء الغليل (٨٩٦). (٢٠).

وَقَد يَتَجَاوَزَانِ حَقًّا جَعَلَهُ اللَّهُ لِلأَولَادِ، فَلَا يَلزَمُ أَمرُهُمَا حِينَئِذٍ، كَأَن يُلزِمَا أَحَدَ الأَولَادِ بِزَوَاجٍ لَا يَرضَاهُ، أَو يَأمُرَانِهِ بِالطَّلَاقِ دُونَ وَجهٍ شَرعِيٍّ.

عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهَا، أَنَّ فَتَاةً دَخَلَت عَلَيهَا فَقَالَت: إِنَّ أَبِي زَوَّجَنِي ابنَ أَخِيهِ لِيَرفَعَ بِي خَسِيسَتَهُ وَأَنَا كَارِهَةٌ، قَالَت: اجلِسِي حَتَّى يَأتِيَ النَّبِيُّ ﷺ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخبَـرَتهُ، فَأَرسَلَ إِلَى أَبِيهَا فَدَعَاهُ، فَجَعَلَ الأَمرَ إِلَيهَا، فَقَالَت: «يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَد أَجَزتُ مَا صَنَعَ أَبِي، وَلَكِن أَرَدتُ أَن أَعلَمَ؛ أَلِلنِّسَاءِ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ؟»سنن النسائي (٣٢٦٩)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وصححه الألباني في حاشية السلسلة الصحيحة (٧/ ١٠٠٩). (٢١).

اللَّهُمَّ اغفِر لنَا ولوالِدينَا، وارحَمهُم كَمَا ربَّونَا صِغَارًا، ووفِّقنا لبِرِّهم والإحسانِ إليهِم.

اللَّهُمَّ أَعِنَّا وَلَا تُعِن عَلَينَا، وَانصُرنَا وَلَا تَنصُر عَلَينَا، وَامكُر لَنَا وَلَا تَمكُر عَلَينَا، وَانصُرنَا عَلَى مَن بَغَى عَلَينَا.

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل وِلَايَتَنَا فِيمَن خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ.

اللهمّ كُن لإخوانِنا المستضعَفِين في غزّةَ وفي كلِّ مكَان، واكتُب لهُم نَصرًا وفرَجًا قريبًا.

عِبَادَ اللَّهِ: اُذكُرُوا اللَّهَ ذِكرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلًا، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

 

شارك المحتوى: