عنوان الخطبة: الطِّيَرة وأَسْر الخُرافة
عناصر الخطبة:
١- الطِّيَرة من أمر الجاهلية
٢- حكم الطِّيَرة وحقيقتها
٣- الاستخارة والتوكُّل على الله حال المسلم
الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخرَجَنَا بِالإِيمَانِ بِهِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَطَيَّبَ حَيَاةَ المُؤمِنِينَ بِشَرعِهِ، فَهُم بِهِ فِي سَعَادَةٍ وَسُرُورٍ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ حَقَّ التَّقوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجوَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .
عبادَ اللهِ:
فِي ذَاتِ يَومٍ سَأَلَ مُعَاوِيَةُ بنُ الحَكَمِ السُّلَمِيُّ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي حَدِيثُ عَهدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَد جَاءَ اللهُ بِالإِسلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَتَطَيَّرُونَ»، قَالَ: «ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ، فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ» صحيح مسلم (٥٣٧)، من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه. (١).
حَقًّا وَاللَّهِ، الإِيمَانُ بِاللَّهِ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ الحَيَاةُ وَالنُّورُ، وَالشِّركُ بِاللَّهِ هُوَ المَوتُ وَالظَّلَامُ.
أَلَا مَا أَقبَحَ الجَاهِلِيَّةَ الَّتِي تَجعَلُ الإِنسَانَ أَسِيرَ الوَهْمِ وَالخُرَافَةِ! وَكَيفَ لَا تَجعَلُهُ كَذَلِكَ وَقَد ضَلَّ عَنِ اللَّهِ الأَحَدِ الصَّمَدِ؟!
كَانَ أَهلُ الجَاهِلِيَّةِ يَتَطَيَّرُونَ - أَي: يَتَشَاءَمُونَ - بِحَرَكَاتِ الطُّيُورِ، إِذَا أَرَادَ أَحَدُهُم أَمرًا أَتَى طَائِرًا فَزَجَرَهُ وَنَفَّرَهُ، فَإِن طَارَ يَمِينًا أَقدَمَ عَلَى حَاجَتِهِ فَرِحًا مُستَبشِرًا، وَإِن طَارَ شِمَالًا أَحجَمَ وَأَعرَضَ حَزِينًا يَائِسًا!
وَكَانُوا أَيضًا يَتَشَاءَمُونَ بِأَصوَاتِهَا، يَسمَعُ أَحَدُهُم صَوتَ الغُرَابِ فَيَتَوَقَّعُ الفِرَاقَ، وَيَرَى الحِدَأَةَ فَيَرقُبُ المَوتَ.
بَل كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِالأَيَّامِ وَالشُّهُورِ، فَيَرقُبُونَ الشَّرَّ فِي شَهرِ صَفَرَ، وَلَا يَنكِحُونَ فِي شَهرِ شَوَّالَ.
فَلَمَّا جَاءَ الإِسلَامُ لِإِخرَاجِ النَّاسِ مِن ظُلُمَاتِ الشِّركِ وَالأَوهَامِ أَبطَلَ كُلَّ ذَلِكَ، لِيَجعَلَهُم عَبِيدًا لِلَّهِ المُتَفَرِّدِ بِالمُلكِ وَالتَّدبِيرِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لاَ عَدْوَى، وَلا طِيَرَةَ، وَلاَ هَامَةَ، وَلاَ صَفَرَ» صحيح البخاري (٥٧٥٧)، وصحيح مسلم (٢٢٢٠)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٢).
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الطَّيْرُ تَجْرِي بِقَدَرٍ» مسند أحمد (٢٤٩٨٢)، من طريق أبي بردة عن عائشة رضي الله عنها، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٨٦٠). (٣).
«لا طِيَرَةَ» أَي: لَا وُجُودَ عَلَى الحَقِيقَةِ لِمَا اعتَقَدَهُ أَهلُ الجَاهِلِيَّةِ مِن عَلَاقَةٍ لِلطَّيرِ وَحَرَكَاتِهَا بِالمَقَادِيرِ.
«ولا صَفَرَ» أَي: لَا عَلَاقَةَ لِشَهرِ صَفَرٍ بِالخَيرِ وَالشَّرِّ.
إِنَّ عَقِيدَةَ الإِسلَامِ بُنِيَت عَلَى أَنَّ لِلَّهِ وَحدَهُ الخَلقَ وَالأَمرَ، هُوَ وَحدَهُ مَن يُدَبِّرُ الأَمرَ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ وَحدَهُ الَّذِي يَعلَمُ الغَيبَ وَيُقَدِّرُ المَقَادِيرَ.
قَالَ تَعَالَى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: ٢٢-٢٣].
عبادَ اللهِ:
قد أَذهَبَ اللهُ الجَاهِلِيَّةَ وَجَاءَ بِنُورِ التَّوحِيدِ، ومعَ ذلك لا يَبرَحُ الشَّيطَانُ الرَّجِيمُ يُزَيِّنُ لِلنَّاسِ كَثِيرًا مِمَّا كَانَ عَلَيهِ أَهلُ الجَاهِلِيَّةِ مِن فَسَادٍ فِي الِاعتِقَادِ وَالأَعمَالِ، وَمِن ذَلِكَ التَّطَيُّرُ وَالتَّشَاؤُمُ، فَلَا نَزَالُ نَرَى مِنَ المُسلِمِينَ مَن يَتَشَاءَمُ اليَومَ بِبَعضِ الأَيَّامِ وَالشُّهُورِ وَالسِّنِينَ، وَمِنهُم مَن يَتَشَاءَمُ بِرُؤيَةِ الغِربَانِ وَكُلِّ أَسوَدَ مِنَ الحَيَوَانَاتِ، وَمِنهُم مَن يَتَشَاءَمُ بِأَصحَابِ الأَمرَاضِ وَالعَاهَاتِ، وَهَذَا كُلُّهُ مِن رَوَاسِبِ الجَاهِلِيَّةِ الَّتِي أَبطَلَهَا الإِسلَامُ، وأكَّدَ النَّبِيُّ ﷺ إبطالَه بقولِه: «أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ» صحيح مسلم (١٢١٨)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (٤).
لَقَد بَلَغَ الأَمرُ بِبَعضِ النَّاسِ أَنَّهُ إِن أَرَادَ أَمرًا فَتَحَ المُصحَفَ من غَيْرِ قَصدٍ لِمَوضِعٍ مُعَيَّنٍ مِنهُ، فَإِن وَقَعَت عَينُهُ عَلَى آيَةٍ فِيهَا نَعِيمٌ أَو بُشرَى أَو نَصرٌ وَنَحوُ ذَلِكَ استَبشَرَ وَأَقدَمَ، وَإِن وَقَعَت عَينُهُ عَلَى آيَةِ تَرهِيبٍ أَو إِنذَارٍ بِعَذَابٍ تَشَاءَمَ وَأَحجَمَ، أَلِهَذَا وَبِهَذَا نَزَلَ القُرآنُ؟
إِنَّ مَن وَحَّدَ اللَّهَ فِي رُبُوبِيَّتِهِ، لَم يَتَعَلَّق قَلبُهُ إِلَّا بِرَبِّهِ، فَلَا يَرَى أَحَدًا يَملِكُ النَّفعَ غَيرُهُ، وَلَا يَدفَعُ الضُّرَّ وَيَكشِفُ السُّوءَ سِوَاهُ، فَتَرَاهُ مُتَوَكِّلًا عَلَى مَولَاهُ، لَا تَأسِرُهُ الخُرَافَةُ، وَلَا تَتَمَلَّكُهُ الأَوهَامُ، بَل هُوَ بَرِيءٌ مِن أَغلَالِ الشِّركِ وَالأَوثَانِ.
أَلَم يَقُل رَبُّنَا: قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [الزمر: ٣٨].
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ» ثَلَاثًا. قَالَ ابنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ -رَاوِي الحَدِيثِ-: «وَمَا مِنَّا إِلَّا ... وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ» سنن أبي داود (٣٩١٠)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٤٢٩). (٥).
وَالمَعنَى أَنَّ الطِّيَـرَةَ لَونٌ مِن أَلوَانِ الشِّركِ بِاللَّهِ، فَاعتِقَادُ الإِنسَانِ وجودَ تَأثِيرٍ -بجَلبِ النَّفعِ أَو دَفعِ الضُّرِّ- في مَا لَيسَت لَهُ سَبَبِيَّةٌ مُبَاشِرَةٌ كَالطُّيُورِ وَالشُّهُورِ: هو شِركٌ بِاللَّهِ تَعَالَى.
لَقَد جَعَلَ اللَّهُ فِيمَا شَاءَ مِنَ الأُمُورِ أَسبَابًا حِسِّيَّةً ظَاهِرَةً لِحُدُوثِ الخَيرِ أَوِ الشَّرِّ، فَشُربُ المَاءِ سَبَبٌ لِلرِّيِّ، وَالنَّارُ سَبَبٌ لِلإِحرَاقِ، وَالدَّوَاءُ سَبَبٌ لِلشِّفَاءِ، وَأَمَّا مَا لَم يُعلَم أَنَّهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ لِخَيرٍ أَو شَرٍّ فَإنَّه يَحرُمُ اعتِقَادُهُ وَاتِّخَاذُهُ سَبَبًا، بَل ذَلِكَ مِن شُعَبِ الشِّركِ.
وَإِذَا وَجَدَ المُسلِمُ شَيئًا مِن ذَلِكَ فِي نَفسِهِ فَليَمضِ مُتَوَكِّلًا عَلَى رَبِّهِ، كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: ١٥٩].
فَإِن رَدَّهُ ذَلِكَ التَّخَوُّفُ عَن أَمرِهِ فَقَد وَقَعَ فِي الشِّركِ بِاللَّهِ كَذَلِكَ.
قَالَ ﷺ: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» مسند أحمد (٧٠٤٥)، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٠٦٥). (٦).
«لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ»: عَقِيدَةٌ تُزِيحُ كُلَّ تَعَلُّقٍ بِسَبَبٍ بَاطِلٍ لَم يَجعَلْهُ اللَّهُ سَبَبًا لِخَيرٍ أَو شَرٍّ، وَتَخلَعُ الشِّركَ وَأَغلَالَهُ مِنَ القُلُوبِ وَالأَعنَاقِ.
كَانَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا بَينَ النَّاسِ يَومًا، فَمَرَّ غُرَابٌ يَصِيحُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: خَيرٌ! خَيرٌ! (يُرِيدُ دَفعَ التَّشَاؤُمِ) فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: «لا خَيْرَ وَلا شَرَّ» المجالسة للدينوري (٩٣٧)، من طريق عكرمة عنه. (٧).
إِنَّ يَقِينَ العَبدِ بِتَفَرُّدِ الرَّبِّ فِي مُلكِهِ وَتَدبِيرِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُقَدِّرُ إِلَّا الخَيرَ لِعِبَادِهِ يَجعَلُهُ شُجَاعًا مِقدَامًا، يَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ وَحدَهُ، وَلِذَا ورد في وَصْفِ المُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ -كَمَا أَخبَرَ النَّبِيُّ ﷺ- أنَّهم: «لاَ يَكْتَوُونَ، وَلاَ يَسْتَرْقُونَ، وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» صحيح البخاري (٦٥٤١)، وصحيح مسلم (٢٢٠)، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. (٨).
عبادَ اللهِ:
لَقَد قَصَّ اللَّهُ عَلَينَا فِي كِتَابِهِ أَنَّ الأُمَمَ الكَافِرَةَ السَّابِقَةَ لَمَّا كَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِالبَأسَاءِ وَالضَّرَّاءِ، قَالُوا لِرُسُلِهِم: تَطَيَّرنَا بِكُم، أَي تَشَاءَمنَا بِكُم وَبِدَعوَتِكُم، فَرَدُّوا عَلَيهِم أَنَّ مَا وَقَعَ لَهُم مِنَ السُّوءِ إِنَّمَا هُوَ بِإِذنِ اللَّهِ، وَبِمَا كَسَبَت أَيدِيهِم.
قَالَ سُبحَانَهُ: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الأعراف: ١٣١-١٣٠].
طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَي: مَا هُم فِيهِ مِن خَيرٍ أَو شَرٍّ هُوَ مِن عِندِ اللَّهِ وَحدَهُ، فهُوَ مَن قَدَّرَهُ ابتِلَاءً وَعُقُوبَةً.
وَقَالَ سُبحَانَهُ عَن أَصحَابِ القَريَةِ: قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ [يس: ١٨-١٩].
ومعنى طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَي: مَا أَصَابَكُم مِن شَرٍّ وَسُوءٍ فَسَبَبُهُ عِصيَانُكُم رُسُلَ اللَّهِ.
فَعَلَى المُسلِمِ إِن أَصَابَهُ خَيرٌ أَن يَحمَدَ اللَّهَ، وَإِن أَصَابَهُ السُّوءُ أَن يَعُودَ بِاللَّومِ عَلَى نَفسِهِ، فَإِنَّ ما أصابه كان بِبَعضِ مَا كَسَبَت يَدَاهُ، فَعَليهِ أنْ يَستَغفِرَ وَيُنِيبَ، كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: ٧٩].
عبادَ اللهِ:
دِينُنَا دِينُ التَّفَاؤُلِ وَبَثِّ الأَمَلِ، وَلِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعجِبُهُ الكَلَامُ الحَسَنُ.
قَالَ ﷺ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ الصَّالِحُ: الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ» صحيح البخاري (٥٧٥٦)، وصحيح مسلم (٢٢٢٤)، من حديث أنس رضي الله عنه. (٩).
وَيَقُولُ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَتَفَاءَلُ وَلا يَتَطَيَّرُ، وَيُعْجِبُهُ الاسْمُ الْحَسَنُ» مسند أحمد (٢٣٢٨)، من طريق عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٧٧٠). (١٠).
هَكَذَا الإِسلَامُ دِينُ الفِطرَةِ، فَإِنَّ النُّفُوسَ السَّوِيَّةَ تُسَرُّ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي تَبُثُّ الأَمَلَ وَتَبعَثُ النَّفسَ عَلَى الإِقدَامِ وَالعَمَلِ، لَكِن بِشَرطِ أَلَّا يُعَلِّقَ الإِنسَانُ عَمَلَهُ بِذَلِكَ، بِحَيثُ لَا يَتَحَرَّكُ إِلَّا بِسَمَاعِهَا، وَيَتَشَاءَمُ عِندَ فَقدِهَا، فَالخَيرُ مِنَ اللَّهِ وَإِلَيهِ.
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَأَستَغفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُم فَاستَغفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبةُ الثانيةُ:
الحَمدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن وَالَاهُ، وَبَعدُ:
يَقُولُ جَابِرُ بنُ عَبدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا الِاستِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرآنِ، يَقُولُ: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ، فَلْيَـرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي»، قَالَ: «وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ» صحيح البخاري (٦٣٨٢)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (١١).
إِنَّ المُسلِمَ يَقِفُ بَينَ يَدَي رَبِّهِ مُفَوِّضًا أَمرَهُ إِلَيهِ، مُتَبَرِّئًا مِن عِلمِهِ وَحَولِهِ وَقُدرَتِهِ، يَستَمِدُّ مِن رَبِّهِ التَّوفِيقَ وَالسَّدَادَ لِمَا فِيهِ الخَيرُ، وَسَائِلًا مَولَاهُ أَن يَصرِفَ عَنهُ الشَّرَّ، فَهَذَا نُورُ التَّوحِيدِ، المُبَدِّدُ لِظَلَامِ الشِّركِ واتِّخاذِ الأندادِ للغنيِّ الحميدِ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن أَن نُشرِكَ بِكَ شَيئًا وَنَحنُ نَعلَمُ، وَنَستَغفِرُكَ لِمَا لَا نَعلَمُ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا وَلَا تُعِن عَلَينَا، وَانصُرنَا وَلَا تَنصُر عَلَينَا، وَامكُر لَنَا وَلَا تَمكُر عَلَينَا، وَانصُرنَا عَلَى مَن بَغَى عَلَينَا.
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل وِلَايَتَنَا فِيمَن خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ.
اللهمّ كُن لإخوانِنا المستضعفِين في غزّةَ وفي كلِّ مكَان، واكتُب لهُم نَصرًا وفرَجًا قريبًا.
عِبَادَ اللَّهِ: اُذكُرُوا اللَّهَ ذِكرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلًا، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.







