خطبة (اللهُ المُقَدِّمُ وَالمُؤَخِّرُ)

خطبة (اللهُ المُقَدِّمُ وَالمُؤَخِّرُ)

عنوان الخطبة: اللهُ المُقَدِّمُ وَالمُؤَخِّرُ

عناصر الخطبة:

١- الله الـمُقَدِّمُ وَالـمُؤَخِّرُ

٢- آثَارُ الإِيمَانِ بِهَذَينِ الِاسمَينِ

٣- لَا تَتَأَخَّر عَن طَاعَةِ اللهِ فَيُؤَخِّرَكَ عَن رَحمَتِهِ

الحَمدُ لله الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقدِيرًا، وَأَحكَمَ مَا قَضَاهُ تَصرِيفًا وَتَدبِيرًا، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرسَلَهُ لِلعَالَمِينَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ حَقَّ التَّقوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجوَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .

عِبَادَ اللَّهِ:

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠].

فَهَل دَعَوتَ اللهَ يَومًا بِاسمِهِ المُقَدِّمِ وَالمُؤَخِّرِ؟

لَقَد كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ يَدعُو اللهَ بِاسمِهِ المُقَدِّمِ وَالمُؤَخِّرِ كُلَّ يَومٍ.

كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيلِ يَتَهَجَّدُ أَثنَى عَلَى رَبِّهِ، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ»صحيح البخاري (١١٢٠)، وصحيح مسلم (٧٦٩)، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. (١).

وَكَانَ ﷺ إِذَا صَلَّى يَكُونُ مِن آخِرِ مَا يَقُولُ بَينَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسلِيمِ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ»صحيح مسلم (٩٩٦)، من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. (٢).

وَكَانَ ﷺ يَحمَدُ رَبَّهُ فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، اللَّهُمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلَا هَادِيَ لِمَا أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ، وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ»مسند أحمد (١٥٤٩٢)، من حديث رفاعة الزرقي رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (٥٤١). (٣).

اللهُ المُقَدِّمُ وَالمُؤَخِّرُ؛ خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقدِيرًا، وَجَعَلَ لَهُ قَدَرًا مَعلُومًا، يَقضِيهِ وَحدَهُ فِي وَقتِهِ وَبِمِقدَارِهِ، بِعِلمِهِ وَحِكمَتِهِ، فَيُقَدِّمُ مَا شَاءَ وَيُؤَخِّرُ مَا شَاءَ، لَا مُقَدِّمَ لِمَا أَخَّرَ، وَلَا مُؤَخِّرَ لِمَا قَدَّمَ.

وَهُوَ سُبحَانَهُ المُقَدِّمُ وَالمُؤَخِّرُ؛ يُنَزِّلُ الأَشيَاءَ مَنَازِلَهَا، يُقَدِّمُ مَا يَشَاءُ مِنهَا وَيُؤَخِّرُ مَا شَاءَ، قَدَّمَ مَن أَحَبَّ مِن عِبَادِهِ وَأَولِيَائِهِ عَلَى مَن دُونَهُم بِتَوفِيقِهِ، وَأَخَّرَ مَن شَاءَ مِنهُم بِعَدلِهِ.

لَا يَملِكُ مَقَادِيرَهُ غَيرُهُ، فَمَا قَضَى بِهِ فِي وَقتِهِ فسَيَكُونُ، لَا يَتَقَدَّمُ شَيءٌ وَلَا يَتَأَخَّرُ عَن مَوعِدِهِ الَّذِي قَضَاهُ سُبحَانَهُ.

فِي ذَاتِ يَومٍ قَالَت أُمُّ حَبِيبَةَ زَوجُ النَّبِيِّ ﷺ: «اللهُمَّ أَمتِعنِي بِزَوجِي رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَبِأَبِي أَبِي سُفيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ»، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قَدْ سَأَلْتِ اللهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ، أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ، وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ، كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ»صحيح مسلم (٢٦٦٣)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. (٤).

فَإِن كَانَ العُمُرُ وَالرِّزقُ مَقسُومَينِ بِمِقدَارٍ لَا يَتَخَطَّيانِهِ، فَاطمَئِنَّ وَتَوَكَّل عَلَى رَبِّكَ، وَاعلَم أَنَّ إِقدَامَ العَبدِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ بِقَولِ الحَقِّ أَو مُحَارَبَةِ البَاطِلِ أَوِ الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يُقَدِّمُ المَوتَ أَو يُؤَخِّرُ الرِّزقَ، فَإِنَّ اللهَ هُوَ المُقَدِّمُ وَالمُؤَخِّرُ، وَقَد جَعَلَ لِكُلِّ نَفسٍ رِزقًا وَأَجَلًا، لَا يَستَقدِمُ عَنهُ العَبدُ سَاعَةً وَلَا يَتَأَخَّرُ.

قَد حَكَى اللهُ عَن أَقوَامٍ كَانُوا يَتَمَنَّونَ أَن يَكتُبَ اللهُ عَلَيهِمُ القِتَالَ فِي سَبِيلِهِ، فَلَمَّا كَتَبَهُ اللهُ دَبَّت فِي قُلُوبِهِم خَشيَةُ النَّاسِ وَظَنُّوا أَنَّهُم لَو لَم يُكتَب عَلَيهِمُ الجِهَادُ لَمَاتُوا بِآجَالِهِم وَلَم يُعَجِّل لَهُمُ المَوتَ، فَقَالَ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ ‌لَوْلَا ‌أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء: ٧٧-٧٨].

وَلِذَا وَصَانَا نَبِيُّنَا ﷺ فَقَالَ: «أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ، وَلَا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ، أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ»مسند أحمد (١١٤٧٤)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٦٨). (٥).

وَاعلَم أَنَّ اللهَ بِحِكمَتِهِ عَجَّلَ وَقَدَّمَ أَشيَاءَ فِي الدُّنيَا، وَأَخَّرَ أَشيَاءَ يَومَ القِيَامَةِ، وَمِن ذَلِكَ أَنَّ اللهَ أَخَّرَ تَمَامَ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ لِلآخِرَةِ، وَعَجَّلَ فِي الدُّنيَا لِلكُفَّارِ ثَوَابَهُم، وَلَم يَشَأ سُبحَانَهُ أَن يَستَوفِيَ أَهلُ الإِيمَانِ أَجرَهُم فِي الدُّنيَا الفَانِيَةِ، فَإِن رَأَيتَ صَالِحًا لَم يُعطَ مِنَ الدُّنيَا مَا أُعطِيَ الكَافِرُ، فَتَذَكَّر خَيرَ الخَلقِ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ يَومَ أَن دَخَلَ عَلَيهِ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ فَلَم يَجِد عِندَهُ مِنَ الدُّنيَا شَيئًا يَرُدُّ البَصَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: «يَا رَسُولَ اللهِ! أَنتَ نَبِيُّ اللهِ وَصَفوَتُهُ وَخِيرَتُهُ مِن خَلقِهِ وَكِسرَى وَقَيصَرُ عَلَى سُرُرِ الذَّهَبِ وَفُرُشِ الحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ». فَقَالَ: «يَا عُمَرُ! إِنَّ أُولَئِكَ قَدْ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ، وَهِيَ وَشِيكَةُ الِانْقِطَاعِ، وَإِنَّا قَوْمٌ قَدْ أُخِّرَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي آخِرَتِنَا»المستدرك (٧٠٧٢)، من حديث عمر رضي الله عنه، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٣٢٨٤). (٦).

وَإِذَا رَأَيتَ ظَالِمًا يَنتَشِي بِحِلمِ اللهِ، فَاعلَم أَنَّ اللهَ أَمهَلَهُ وَأَخَّرَ عُقُوبَتَهُ وَلَم يَغفُل عَنهُ، فَهُوَ القَائِلُ: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا ‌يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [إبراهيم: ٤٢].

وَاللهُ تَعَالَى قَد يُقَدِّمُ وَيُعَجِّلُ عَذَابَ عَبدٍ بِعَدلِهِ، وَقَد يُؤَخِّرُهُ بِرَحمَتِهِ وَحِكمَتِهِ، قَالَ سُبحَانَهُ: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا ‌يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [النحل: ٦١].

إِلَّا أَنَّكَ يَنبَغِي لكَ أَن تَعلَمَ أَنَّ مِنَ الذُّنُوبِ مَا قَد قَضَى اللهُ تَعجِيلَ عُقُوبَتِهَا فِي الدُّنيَا لِعَظِيمِ إِفسَادِهَا، فَاخشَ اللهَ وَاتَّقِ عَاجِلَ عِقَابِهِ.

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «كُل ذنُوبٍ يُؤخِّرُ اللَّهُ مِنهَا مَا شَاء إِلى يَوم الِقيامةِ، إِلَّا البَغيَ وعُقوقَ الْوَالِدَيْنِ أَو قَطيعةَ الرَّحِم، يُعجِّلُ لِصاحِبِها فِي الدُّنيا قَبل المَوت»الأدب المفرد (٥٩١)، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح الأدب (٤٦٠). (٧).

إِنَّ مَن عَلِمَ أَنَّ اللهَ وَحدَهُ المُقَدِّمُ وَالمُؤَخِّرُ فَوَّضَ أَمرَهُ إِلَى رَبِّهِ فِي كُلِّ شَيءٍ، فَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدَ، وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبَ، فَإِن أَرَدتَ تَعجِيلَ خَيرٍ فَالجَأ إِلَى رَبِّكَ دُونَ مَن سِوَاهُ، وَأَنزِل بِهِ حَوَائِجَكَ، وَاعلَم أَنَّهُ لَا يُقَدِّمُهُ وَيُعَجِّلُهُ إِلَّا رَبُّكَ.

هَذَا نَبِيُّنَا ﷺ جَاءَهُ بَعضُ نِسَاءِ الصَّحَابَةِ يَبكِينَ؛ يَشتَكِينَ قِلَّةَ المَطَرِ، فَدَعَا رَبَّهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، مَرِيئًا مَرِيعًا، نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ» فَأَطبَقَت عَلَيهِمُ السَّمَاءُ!سنن أبي داود (١١٦٩)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وصححه الألباني في تخريج الكلم الطيب (١٥٢). (٨).

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ، لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ، أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ بِالْغِنَى، إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ، أَوْ غِنًى عَاجِلٍ»سنن أبي داود (١٦٤٥)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢٧٨٧). (٩).

إِنَّ اللهَ هُوَ المُقَدِّمُ وَالمُؤَخِّرُ فِي حُكمِهِ الكَونِيِّ وَحُكمِهِ الشَّرعِيِّ، فَمَا قَدَّمَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ ﷺ يَجِبُ أَن يُقَدَّمَ، وَمَا أَخَّرَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ ﷺ فَوَاجِبٌ أَن يُؤَخَّرَ، فَإِنَّ اللهَ قَالَ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات: ١].

وَهَذَا نَبِيُّنَا ﷺ لَمَّا طَافَ بِالبَيتِ الحَرَامِ وَأَرَادَ السَّعيَ فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: إِنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ [البقرة: ١٥٨] «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيهِصحيح مسلم (١٢١٨)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (١٠).

فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدَّمَ الصَّفَا عَلَى المَروَةِ لِأَنَّ اللهَ قَدَّمَهُ فِي الذِّكرِ، فَمَا بَالُ أَقوَامٍ يُقَدِّمُونَ عُقُولَهُم وَآرَاءَهُم وَفَلسَفَاتِهِم وَمَنَاهِجَهُم عَلَى حُكمِ اللهِ وَقَولِهِ، وَيُؤَخِّرُونَ مَا قَدَّمَهُ اللهُ، وَيُقَدِّمُونَ مَا أَخَّرَهُ؟

إِنَّ العَقلَ الصَّحِيحَ لَا يَتَعَارَضُ معَ النَّصِّ الصَّحِيحِ، وَلَو بَدَا تَعَارُضٌ فِي الظَّاهِرِ فَإِنَّ أَهلَ السُّنَّةِ يُقَدِّمُونَ النَّقلَ عَلَى العَقلِ، وَلَا يُقَدِّمُونَ عَلَى الوَحيِ رَأيًا وَلَا ذَوقًا وَلَا مَنَامًا وَلَا وَجدًا.

إِنَّ شَرِيعَةَ اللهِ حُكمٌ فِي التَّقدِيمِ وَالتَّأخِيرِ، كُلُّ شَيءٍ وَضَعَهُ اللهُ فِي مَوضِعِهِ من غيرِ حَيفٍ أَو شَطَطٍ، فَقَدَّمَتِ الشَّرِيعَةُ طَاعَةَ اللهِ وَطَاعَةَ رَسُولِهِ ﷺ عَلَى مَن سِوَاهُمَا، وَقدَّمت حَقَّ اللهِ عَلَى حُقُوقِ الإِنسَانِ، وَقَدَّمَ اللهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى غَيرِهِ مِنَ الأَنبِيَاءِ، وَقَدَّمَ صَحَابَتَهُ عَلَى مَن سِوَاهُم مِن أُمَّتِهِ، وَقَدَّمَ أَبَا بَكرٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثمَانَ ثُمَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنهُم عَلَى مَن سِوَاهُم مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَدَّمَتِ الشَّرِيعَةُ الأَعلَمَ بِكِتَابِ اللهِ فِي الصَّلَاةِ، وَعُلَمَاءَ الشَّرِيعَةِ عَلَى مَن دُونَهُم فِي الرَّأيِ وَالنَّظَرِ، وَالمُؤمِنَ عَلَى الكَافِرِ، وَأَهلَ الصَّلَاحِ وَالتَّقوَى عَلَى أَهلِ الفَسَادِ وَالفُجُورِ، وَقَدَّمَتِ الأُمَّ عَلَى الأَبِ فِي البِرِّ، وَالزَّوجَ عَلَى غَيرِهِ فِي الطَّاعَةِ، وَالرَّجُلَ عَلَى المَرأَةِ فِي الوِلَايَةِ، وَهَكَذَا يَجِبُ أَن يَكُونَ النَّظَرُ وَالعَمَلُ، لَا يُقَدَّمُ مَا أَخَّرَتهُ الشَّرِيعَةُ، وَلَا يُؤَخَّرُ مَا قَدَّمَتهُ الشَّرِيعَةُ.

وَلِذَا كَانَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِذَا رَأَى النِّسَاءَ، قَالَ: «أَخِّرُوهُنَّ حَيْثُ جَعَلَهُنَّ اللَّهُ»صحيح ابن خزيمة (١٧٠٠)، من قول ابن مسعود رضي الله عنه، وصححه الألباني في تحقيقه على ابن خزيمة (٢/٨١٩). (١١).

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَأَستَغفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم فَاستَغفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحَمدُ لله، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن وَالَاهُ، وَبَعدُ:

فِي ذَاتِ يَومٍ رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَصحَابِهِ تَأَخُّرًا فَقَالَ لَهُم: «تَقَدَّمُوا فَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ»صحيح مسلم (٤٣٨)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. (١٢).

إِنَّ المُؤمِنَ الَّذِي يَرجُو القُربَ مِن رَبِّهِ يُسَابِقُ إِلَى رِضوَانِهِ، فَإِن سَمِعَ دَاعِيَ الإِيمَانِ أَسرَعَ وَفَرَّ إِلَى اللهِ وَلَم يَتَأَخَّر؛ لِأَنَّ اللهَ لَا يَجعَلُ مَن أَسرَعَ إِلَيهِ كَمَن أَبطَأَ عَنهُ، فَالجَنَّةُ دَرَجَاتٌ وَأَهلُهَا مَنَازِلُ، وَلِذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «احْضُرُوا الذِّكْرَ، وَادْنُوا مِنَ الْإِمَامِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يَتَبَاعَدُ حَتَّى يُؤَخَّرَ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ دَخَلَهَا»صحيح مسلم (١١٠٨)، من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣٦٥). (١٣).

اللهُمَّ أَعِنَّا وَلَا تُعِن عَلَينَا، وَانصُرنَا وَلَا تَنصُر عَلَينَا، وَامكُر لَنَا وَلَا تَمكُر عَلَينَا، وَانصُرنَا عَلَى مَن بَغَى عَلَينَا.

اللهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل وِلَايَتَنَا فِيمَن خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ.

اللهمّ كُن لإخوانِنا المستضعفِينَ في غزّةَ وفي كلِّ مكانٍ، واكتُب لهم نَصرًا وفَرَجًا قريبًا.

عِبَادَ اللَّهِ: اُذكُرُوا اللهَ ذِكرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلًا، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للله رَبِّ العَالَمِينَ.

 

شارك المحتوى: