﷽
ما برهان النظم «الإتقان والإحكام»؟
برهان النظم هو استدلال عقلي يقوم على تأمّل ما في الكون والكائنات الحيّة من إحكام النظام، ودقّة التقدير، وتناسق الصنعة؛ إذ تدلّ هذه المعاني دلالةً ظاهرةً على علمٍ محيط، وحكمةٍ بالغة، وإرادةٍ مخصِّصة، ولا يستقيم في ميزان العقل ردُّها إلى محض المصادفة، ولا إلى تفاعلاتٍ طبيعيةٍ عمياء لا قصد لها ولا اختيار.
هل برهان النظم بديهي وفطري؟
برهان النظم بديهي وفطري لدرجة تجعل دفعه عن النفس أمرًا شاقًا، وذلك لأن دلالته ساطعة ومبثوثة في كل شيء حولنا بل وفي أنفسنا، فأدنى تأمل في تركيب أجسامنا ومناسبة كل عضو فيه لوظيفته، وتكرار هذه النتيجة التأملية في جميع الكائنات الحية التي تسكن عالمنا، يغرس يقينًا راسخًا في وجود الخالق العليم الحكيم.
وكما أننا لم نسمع عمن يتناظرون في الطرقات: «ألهذه السيارات صانع أم لا؟!»، كان من باب أولى ألا نسمع عمن يتساءل: «ألهذه المخلوقات صانع؟ أم أنها وُجدت بفعل قوى الطبيعة العمياء؟!».
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الدلالة العقلية البديهية الشرعية لبرهان النظم، قال تعالى: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل: 88] وقال تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً [الفرقان: 2]، وقال تعالى: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ [طه: 50].
وقال تعالى: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ [الملك: 3-4].
لماذا نحتاج إلى التذكير بشيء بديهي فطري؟
نحتاج إلى التذكير بأمرٍ بديهي، ذلك أن الفطرة قد يعتريها التبدّل، وأن الإنسان يكثر منه الغفلة، وقد زاد نمطُ الحياة الحديثة في تعميق هذه الغفلة، إذ قلّص مساحة التدبّر والتأمّل في حياتنا اليومية. ومع ذلك، فإن هذا التذكير لا يفتقر — في أصلِه — إلى أقيسةٍ منطقيةٍ معقّدة، ولا إلى صيغٍ استدلاليةٍ صارمة؛ بل يكفي فيه التأمّل المباشر في آيات الله المبثوثة في مخلوقاته.
هِداية متاحة للجميع:
الإيمان بالله وعلمه وحكمته بالتأمّل في مخلوقاته هو طريق متاحٌ لكلّ أحد، وإن تفاوتت مراتبه ومستوياته؛ فمجرّد مطاردتك لذبابةٍ صغيرة تحلّق بمهارة، أو لصرصورٍ يراوغ ببراعة، كفيلٌ بأن يوقظ في النفس هذه المعاني الإيمانية.
وكلما وسّعت النظر، وتأمّلت ما تخبرنا به العلوم الحديثة عن التوازن الدقيق في النظم البيولوجية والبيئية، وعن دقة صنع أجسام الكائنات الحية، ومدى تقدم الوظائف الحيوية التي تقوم بها = كلما زاد اندهاشك بعجائب هذا العالم، وزاد إيمانك بعظمة الخالق العليم الحكيم سبحانه الذي خلق هذا العالم المبهر.
وخلافا للفيلسوف (ماكس فيبر) الذي عرف الحداثة بأنَّها «نزع السحر عن العالم»Weber, M. (1946). Science as a Vocation. In: Tauber, A.I. (eds) Science and the Quest for Reality. Main Trends of the Modern World. Palgrave Macmillan, London. https://doi.org/10.1007/978-1-349-25249-7_17 (1)، فإن العلم الحديث قد كشف حقيقة أننا نعيش في عالم مليء بالعجائب التي لم تخطر ببال أحد ممن سطروا الملاحم والأساطير، وأن سحرا عظيما قد بدأ للتو.
ولذلك لا ينبغي أبدا أن تُختطف منا تلك العلوم الحديثة لأنها باب عظيم من أبواب الإيمان بالله عز وجل، قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: 28].
أمثلة التصميم الحكيم في عالم الأحياء:
عجائب خلق الإنسان:
قال تعالى: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21]، وذلك لأن الإنسان لو تفكَّر في خلقته فحسب، لما انقضى عجبه من دقة الصنع الدالّة على خالقه سبحانه وتعالى.
ومن ذلك:
هل خطر ببالك يومًا أن تسأل: لماذا لا نشعر بالألم بعد المشي أو الجري، رغم الاصطدام المتكرر لأقدامنا بالأرض؟
للقدم البشرية تركيبٌ فريد؛ إذ تحتوي على وسائد في الكعب تعمل مع أقواس القدم الثلاثة على امتصاص الصدمات، وتوزيع ثقل الجسم بالتساوي، وحفظ توازنه، وتوفير الطاقة، ودفع الجسم إلى الأمام في أثناء المشي والجري والقفزChauhan HM, Taqi M. Anatomy, Bony Pelvis and Lower Limb: Arches of the Foot https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK587361 (2).
وبفضل هذا الأداء المميّز، أصبحت القدمُ البشرية مصدرَ إلهامٍ لدى مصنّعي الروبوتات والأطراف الاصطناعية، إذ يحاولون محاكاتها في منتجاتهم للوصول بها إلى أفضل تصميمٍ ومزايا ممكنةJin, Jianqiao, et al. "Optimization design of the inner structure for a bioinspired heel pad with distinct cushioning property." Bioengineering 10.1 (2022): 49. https://doi.org/10.3390/bioengineering10010049 (3).
كيف تجمع قبضة اليد البشرية بين قوة رفع الأثقال ودقة تمرير الخيط في الإبرة؟
تُوصف اليد البشرية بأنها واحدة من أكثر الأعضاء دقةً وكفاءةً في أداء طيف واسع من الوظائفIn brief: How do hands work?
https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK279362 (4)، بدءًا من رفع الأثقال والإمساك بأشياء متنوعة الشكل والحجم، وانتهاءً بالكتابة وتمرير الخيط الرفيع في ثقب الإبرة. وقد كان لهذا التصميم المتقن أثرٌ بالغ في بناء الحضارة البشرية.
ورغم خلو الأصابع من عضلات قوية، فإن مصدر قوة قبضة اليد يأتي أساسًا من عضلات الساعد. تنتقل هذه القوة إلى الأصابع بنظام هندسي ميكانيكي دقيق يتكون من الأوتار والمفاصلTanrıkulu, S., Bekmez, Ş., Üzümcügil, A., Leblebicioğlu, G. (2015). Anatomy and Biomechanics of the Wrist and Hand. In: Doral, M.N., Karlsson, J. (eds) Sports Injuries. Springer, Berlin, Heidelberg. https://doi.org/10.1007/978-3-642-36569-0_49 (5)،Jones, Gareth, and Mark I. Johnson. "A critical review of the incidence and risk factors for finger injuries in rock climbing." Current sports medicine reports 15.6 (2016): 400-409. https://doi.org/10.1249/JSR.0000000000000304 (6)، ويشبه نظام البكرات والحبال المستخدم في الموانئ الملاحية لرفع البضائع والمعدات الثقيلة؛ إذ توجه البكرات الأوتار وتمنع انحرافها، مما يحقّق أقصى كفاءة في نقل القوة ويقلل الاحتكاك.
ويُعَدّ إبهامُ اليد عنصرًا محوريًا في البراعة اليدوية؛ إذ يُحقِّق مدىً واسعًا من التحكّم والدقة والقوة أثناء أداء الحركات الدقيقة، مثل استخدام الأدوات والكتابة والتعامل مع الأجسام المعقّدة، ويعود ذلك إلى طوله النسبي وبنيته التشريحية الخاصة وقدرته الفريدة على التقابل مع بقية الأصابع.
هل فكرتَ يومًا كيف تستطيع متابعة حديث شخص معين وسط ضجيج شديد «مشكلة حفلة الكوكتيل»؟
لا يجد معظمنا صعوبة كبيرة في التركيز على كلام مَن يخاطبنا، حتى وسط بيئة مزدحمة وصاخبة كحفل مليء بالأصوات المتداخلة والمحادثات المتعددة. وقد يبدو للوهلة الأولى أن فصل ضوضاء الخلفية عن صوت المتحدث أمر سهل.
لكن عند محاولة تنفيذ هذه المهمة عبر الآلات والذكاء الاصطناعي، يتضح أننا أمام تحدٍ كبير؛ فالأنظمة تواجه صعوبة شديدة في فصل صوت متحدث معين وسط ضجيج معقد متعدد المصادر «كمحادثات متداخلة، ضحكات، أو موسيقى». حتى عرف هذا الأمر باسم «مشكلة حفلة الكوكتيل»McDermott, Josh H. "The cocktail party problem." Current Biology 19.22 (2009): R1024-R1027 https://doi.org/10.1016/j.cub.2009.09.005 (7).
ومع التقدم الهائل في نماذج تعرُّف الكلامِ وفصل الصوت، لا تزال هذه الأنظمة تعاني كثيرًا – خاصة في غياب ميكروفونات متعددة أو إشارات بصرية مساعدة – وغالباً ما تفقد الدقة أو تنتج نصوصًا مشوشة.
أما تفوّق الإنسان في هذه القدرة فيعود إلى عدة عوامل، ومن أهم تلك العوامل الأذن الداخلية «القوقعة» والخلايا الشعرية فيها، التي تقوم بتحويل الطاقة الميكانيكية الاهتزازية القادمة من طبلة الأذن إلى إشارات كهربائية دقيقة يستقبلها الدماغ، وتحدث هذه العملية في غضون زمنٍ لا يتجاوز 10 ميكروثوانٍPurves D, Augustine GJ, Fitzpatrick D, et al., editors. Neuroscience. 2nd edition. Sunderland (MA): Sinauer Associates; 2001. Hair Cells and the Mechanoelectrical Transduction of Sound Waves: https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK10867/ (8).
كما تتميز الخلايا الشعرية بقدرتها على التكيف السريع مع المحفزات وتحليلها لتردد الإشارات الصوتية المختلفة، مما يتيح للدماغ استخلاص الإشارات المهمة من خلفية صاخبة بتركيز فوري وفعال على صوت واحد.
ولا تزال الآلات غير قادرة على محاكاة عمل الخلايا الشعرية، ولا تجاوز مشكلة حفل الكوكتيل بشكل كامل.
كم عدد العضلات التي يجب أن تنسق حركاتها بدقة لنطق كلمة واحدة؟
يشترك في عملية النطق أكثر من مئة عضلة، موزعة على الحجاب الحاجز والرئتين والحنجرة والفك والوجه وتجويف الأنف والشفتينChartier, Josh, et al. "Encoding of articulatory kinematic trajectories in human speech sensorimotor cortex." Neuron 98.5 (2018): 1042-1054 https://doi.org/10.1016/j.neuron.2018.04.031 (9)،Simonyan, Kristina, et al. "New developments in understanding the complexity of human speech production." Journal of Neuroscience 36.45 (2016): 11440-11448 https://doi.org/10.1523/JNEUROSCI.2424-16.2016 (10).
يتطلب نطق كلمة واحدة تناغمًا وتنسيقًا تامًا بين هذه العضلات لتشكيل مسار الهواء الخارج من الرئتين بالشكل الدقيق اللازم لإصدار الصوت الخاص بكل كلمة.
ولو وُكِل إلينا هذا التنسيق الدقيق لعجزنا عن النطق، لكن من فضل الله علينا أن هذا التنسيق يحصل تلقائيًا بمجرد أن نريد نطق كلمة معينة.
الشيفرة الوراثية: الخيوط التي لا تتشابك أبدًا!
الشيفرة الوراثية هي بمثابة كتيب المعلومات المخزنة داخل كل خلية من خلايا أجسامنا، والتي تتحدد وفقًا لها صفاتنا الوراثية مثل: الطول، لون البشرة، ملامح الوجه، وغيرها من الصفات البدنية والحيوية.
حجم المعلومات التي يمكن تخزينها في جرام واحد من الشيفرة الوراثية يُقدر بحوالي 215 مليون جيجابايتhttps://www.science.org/content/article/dna-could-store-all-worlds-data-one-room (11)، وهو كم هائل يتطلب عدة أطنان من الأقراص الصلبة الحديثة لتخزينه.
داخل نواة كل خلية يوجد نحو ثلاثة مليارات زوج قاعدي نيتروجيني تشكل شريط الشيفرة الوراثية، هذا الشريط ينفك ويُعاد طيه عشرات الآلاف إلى مئات الآلاف من المرات يوميًا في كل خلية تقريبًا، وذلك لأغراض التضاعف والنسخ وإصلاح الأضرار.
رغم كثرة الفك والطي لشريط الشيفرة الوراثية، فإنه لا يتشابك ولا تتراكم عليه العقدAlberts B, Johnson A, Lewis J, et al. Molecular Biology of the Cell. 4th edition. New York: Garland Science; 2002. DNA Replication Mechanisms. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK26850 (12) كما يحدث لأسلاك السماعات التي تُوضع في الجيب، أو رباط الحذاء الذي يُفك ويُربط يوميًا. والسر في ذلك أن الله أتقن كل شيء خلقه، فقد جعل بروتينات وإنزيمات متخصصة لفك العقد وإعادة الطي بدقة متناهية، حتى يتمكن شريط الشيفرة الوراثية من أداء مهامه البديعة دون معوقات.
التوازن الدقيق في النظم البيولوجية والبيئية
ومن الأمثلة البارزة على التوازن الدقيق في النظم البيولوجية والبيئية، ما حدث في شمال المحيط الهادئ، حين رأى الصيادون في فراء ثعلب البحر موردًا اقتصاديًا، فكثّفوا صيده حتى أوشك على الانقراض.
ولم يكن في حسبان أحدٍ آنذاك أن اختفاء هذا الحيوان سيُفضي إلى أزمة بيئية واسعة النطاق؛ إذ أدى غياب ثعالب البحر إلى انفجار أعداد قنافذ البحر، التي راحت تلتهم غابات عشب البحر «الكِلْب»، فتسبّبت في تدمير مساحات شاسعة منها، وهي غابات تؤوي أعدادًا هائلة من الكائنات البحرية.
وليس هذا فحسب، بل إن هذه الغابات تؤدي دورًا محوريًا في امتصاص كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ذلك الغاز الذي يؤدّي تراكمه إلى الاحتباس الحراري واختلال المناخ.
وقد أظهرت الدراسات Wilmers, C. C. et al. Do trophic cascades affect the storage and flux of atmospheric carbon? An analysis of sea otters and kelp forests. Front. Ecol. Environ. 10, 409–415 (2012). https://doi.org/10.1890/110176 (13) أن غابات عشب البحر التي تحرسها ثعالب البحر، تستطيع امتصاص ثاني أكسيد الكربون بمقدار 12 ضعفاً مقارنة بالغابات غير المحمية.
وهذا الأثر العميق، الذي يتجاوز التفاعل بين الكائنات الحية بعضها مع بعض، ويمتدّ ليطال حرارة الكوكب وظروفه المناخية العامة، قد تكرّر رصده في مواضع عديدة، حتى أفضى إلى ظهور تصوّرٍ علميٍّ يتعامل مع كوكب الأرض بوصفه نظامًا متكاملًا شديد الترابط، عُرف بنظرية غاياLovelock, James. "Gaia: the living Earth." Nature 426.6968 (2003): 769-770. https://doi.org/10.1038/426769a (14).
كيف تنام الحيتان من غير أن تختنق؟
الحيتان ثدييات بحرية تحتاج إلى التنفس من الهواء الجوي مثلنا تمامًا، لكنها تمتلك قدرات مذهلة على حبس أنفاسها لفترات طويلة، وذلك بفضل ما هيأه الله لها من خواص وظيفية، مثل احتواء دمائها على كميات كبيرة من مادة الميوغلوبين التي تحمل الأكسجين بكفاءة أعلى من الهيموغلوبين عند الإنسان.
معظم الحيتان تصعد إلى السطح لالتقاط أنفاسها كل 30–90 دقيقة تقريبًا، ولو لم تصعد فسوف تختنق. فكيف تنام إذن؟
الحيتان لا تنام نومًا كاملًا مثلنا، بل تعطل نصف دماغها فقط في كل مرة، ويبقى النصف الآخر واعيًا للتحكم في التنفس والصعود إلى السطح عند الحاجة.
تُعرف هذه الخاصية بـاسم «النوم أحادي النصف الدماغي» Lyamin, Oleg I., and Jerome M. Siegel. "Sleep in aquatic mammals." Handbook of behavioral neuroscience. Vol. 30. Elsevier, 2019. 375-393. https://doi.org/10.1016/B978-0-12-813743-7.00025-6 (15) وتوجد أيضًا عند الدلافين ومعظم الثدييات البحرية الأخرى، بل وحتى عند بعض أنواع الطيور، مما يسمح لها غالبًا بالغفوة في أثناء الطيران دون أن تسقط أو تنجرف بعيدًا عن مسار السرب.
أما حوت العنبر، فيبدو أن الله قد هيأ له طريقة أخرى تمكّنه من الراحة؛ فقد أظهرت الدراساتMiller, Patrick JO, et al. "Stereotypical resting behavior of the sperm whale." Current biology 18.1 (2008): R21-R23.
https://doi.org/10.1016/j.cub.2007.11.003 (16) أنه ينام في وضعية رأسية قريبة من السطح، مع إمكانية إغلاق كلا العينين وتوقف حركته لفترات قصيرة عادة: «10–15 دقيقة».
إذ يساعد رأسه الضخم المليء بزيت العنبر على الطفو عموديًا بسهولة وبشكل طبيعي قرب السطح، مما يتيح له التنفس السريع كل بضع دقائق دون الحاجة إلى مجهود كبير للوصول إلى الهواء.
كيف تحملت الإبل البيئة الصحراوية القاسية؟
قال تعالى: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
[الغاشية: 17]. وعندما نتأمل خلق الإبل نجد أن الله خلقها متهيئة تمامًا للعيش في الصحراءhttps://www.nhm.ac.uk/discover/how-do-camels-survive-in-deserts.html (17)، وقادرة على تحمل الظروف المناخية القاسية من حرارة شديدة وبرودة.
تخزن الإبل الدهون في سنامها، مما يمكنها من السفر مسافات طويلة عبر مناطق شحيحة المياه والنبات، إذ تحول هذه الدهون إلى طاقة وماء عند الحاجة.
تشرب كميات كبيرة من الماء بشراهة عند توفره، وتفقده ببطء شديد بفضل آليات فسيولوجية خاصة: فهي لا تتعرق كثيرًا، وتسترجع الرطوبة من الهواء الزفيري عبر أنفها، وتقلل فقدان الماء في البول بفضل كفاءة كليتها العالية في إعادة الامتصاص. ويمكن للإبل أن تتحمل فقدان ما يصل إلى 30% من وزن جسمها من الماء دون ضرر كبير.
ولأن رمال الصحراء حارقة، تمتلك الإبل وسائد جلدية سميكة مقاومة للحرارة على أقدامها وركبها ومرفقيها وعظام الصدر، مما يتيح لها الاستلقاء دون حروق.
ورغم ثقل وزنها لا تغوص في الرمال؛ فهي تمتلك أقدامًا كبيرة عريضة توزع الوزن جيدًا.
كما تمتلك حواجب كثيفة ورموشًا طويلة تحمي العينين من الغبار والعواصف، وجفنًا ثالثًا شفافًا ينظف العين ويحميها من الجفاف.
تتقلب درجة حرارة جسمها «ترتفع نهارًا مع حرارة البيئة وتنخفض ليلًا»، مما يقلل التعرق، ويعمل فراؤها كعازل حراري يحميها من الحرارة الشديدة والبرودة.
أما الإبل ذات السنامين في آسيا الوسطى فتواجه شتاءً قارسًا وصيفًا حارقًا، ومع ذلك فهي متأقلمة تمامًا؛ إذ يحافظ فراؤها الكثيف على الدفء في البرد، ويتساقط مع حلول الدفء.
ولأن معظم النباتات في الصحراء شوكية، فإن شفتيها ولسانها وفمها ومعدتها مجهزة للتعامل معها بكفاءة.
كل ذلك يدل على دقة صنع الله عز وجل، وكيف هيأ كل مخلوق لما يناسبه، وخلق له الأعضاء الوظيفية التي تمكنه من العيش في بيئته بسلام.
الخاتمة:
ليس في مخلوقات هذا العالم شيء عادي، وإنما العادي هو نظرُنا حين يألف ولا يتأمّل. فكلّ ما حولنا جدير بالدهشة لمن اقترب وأحسن النظر؛ حتى أصغر خلية حيّة، تحمل في داخلها من الأنظمة الدقيقة والمصانع المعقّدة ما يفوق بأشواط أعظم ما بلغه الإنسان من تقدّم علمي وتقني.
وقد وُضع كلّ شيء في موضعه على ميزانٍ محكم، وتقديرٍ بالغ الدقّة، بحيث يؤدّي كلّ جزء وظيفته دون زيادة أو نقصان. وما إن يتدخّل الإنسان في هذا النظام، ظانًّا أنّ بعض أجزائه ثانويّ أو غير مؤثّر، حتى يظهر الخلل وتتكشّف العواقب.
وكلّ ذلك يشهد على حقيقة النَّظْم والدقّة والإحكام في الكون، ويدلّ دلالة واضحة على أنّ وراء هذا الخلق المتقن خالقًا عليمًا حكيمًا، أحاط كلّ شيء علمًا وقدّره تقديرًا.







