برهان الفطرة على وجود الله: النداء الذي لا يخبو

برهان الفطرة على وجود الله: النداء الذي لا يخبو

طفل رضيع نائم يرتدي قبعة ناعمة

 ما هو برهان الفطرة؟ 
برهان الفطرة هو الاستدلال على وجود الله من خلال الطبيعة الإنسانية ذاتها، فالإيمان بالله مغروس في فطرة الإنسان منذ ولادته، مهما اختلفت الثقافات والبيئات، ويظهر تلقائيًا عند غياب المؤثرات الخارجية أو عند التعرض للأزمات الشديدة.


قصة واقعية


قال الفنان المصري خالد الصاوي في إحدى لقاءاته التلفزيونية https://www.youtube.com/watch?v=T2j65siLcMw (1) إنه كان ملحدًا طوال فترة الثلاثينيات والأربعينيات من عمره.

فلما سأله مقدم البرنامج: «كيف اقتنعت بوجود الله؟»

أجاب: «كنتُ إذا أصابتني ليلًا أزمة صحية شديدة وشعرتُ أنني سأموت أو سأُصاب بالشلل، أقول: يا رب نجِّني... وليس من الرجولة ولا النخوة أن أستيقظ في الصباح التالي لأكفر به بعد أن أنقذني».

فكان الكرب الشديد الذي مَرَّ به هو السبب في عودته إلى الإيمان؛ إذ جعله ينصت لنداء الفطرة الداخلي الذي يُخبره دائماً أن له رباً رحيماً ينقذه إذا دعاه.


ما المقصود بالفطرة في الإسلام؟


قال تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [فاطر : 1]  

قال ابن عباس رضى الله عنهما: كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما [لصاحبه: أنا فطرتها، أنا بدأتها. وقال ابن عباس أيضا: (فاطر السماوات والأرض) بديع السماوات والأرض. وقال الضحاك: كل شيء في القرآن فاطر السماوات والأرض فهو : خالق السماوات والأرضتفسير ابن كثير (6/532). (2).

فمعنى أن الله فطرنا: أنه خلقنا وابتدأ وجودنا على غير مثال سابق. والمكوّن الفطري داخل كلٍّ منا هو ما غرسه الله في نفوسنا حين بدأنا رحلتنا في هذا الوجود. وهو ما يمكن اعتباره الخِلقة الجِبِلِّيّة التي تقتضي معرفة الله وكماله، والميل إليه ومحبته وتعظيمه وعبادته وتوحيده، وكذلك محبة الخير والعدل والحُسْن، والأخلاق الحميدة، وكراهية الشر والظلم والسوء والخبث والرذائل، وطلب النفع ودفع الضر. 

بالإضافة إلى المبادئ العقلية الضرورية الأولية التي نميّز بها الأشياء وندرك معانيها، مثل أن النقيضين لا يجتمعان، وأن كل أثر له مؤثر، وأن الجزء أصغر من الكل، إلى آخر هذه الأسس الضرورية التي يدرك صحتها جميع البشر بدون عناء البرهنة.

ولو أردنا جمع هذه المعاني في كلمة واحدة لكانت هي "الإسلام"؛ لأن الإسلام دين يتوافق تمامًا مع جميع ركائز الفطرة. ولذلك قال تعالى: أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم: 30] فجعل الدين الإسلامي هو دين الفطرة.  

وعن أبي هريرة قال صحيح البخاري ( 4775). (3) : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما مِن مَوْلُودٍ إلَّا يُولَدُ علَى الفِطْرَةِ، فأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ، كما تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاءَ ، هلْ تُحِسُّونَ فيها مِن جَدْعاءَ ، ثُمَّ يقولُ: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عليها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلكَ الدِّينُ القَيِّمُ [الروم: 30]).

وقال: يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه ولم يقل: أو يسلِمانه؛ لأن المولود يولد متهيئًا للإسلام بمقتضى الفطرة. ومع ذلك فقد أرشد الحديث إلى أن الفطرة السليمة يمكن أن تتأثر بفعل التربية والبيئة.

وليس المقصود بتوجّه المولود بالفطرة إلى الإسلام أنه يولد عالمًا بأركان الإسلام وصفة الصلاة وسنن الوضوء والأحكام التفصيلية للعقيدة والشريعة؛ وإنما المقصود أن هناك نداءً فطريًا داخل كل إنسان يوجّهه إلى ربّه، ويرغّبه في توحيده وعبادته، ويخوفه من يوم حسابه، ويأمره بالخير وينهاه عن الشر. 

فإذا خلّي بين الإنسان وبين الدين وسلم من الموانع فسيكون مسلمًا، وإذا صادف دعوة الإسلام وجدها موافقة لما هو مركوز في نفسه، وما كانت تدعوه إليه فطرته. تماما كما يطلب المولود رضعته الأولى من غير أن يسبق له أن تعلّم الرضاعة. 

فإذا حصل مطلبه رضي به وسكن إليه، وعرف أن هذا الذي كان يسعى إليه. بل إنه إذا أرضعته أمه عرفها وميّزها من بين المرضعات برائحتها التي كانت تصله مع الغذاء في رحمها، وإن كان لا يستطيع وصف رائحتها، لكنه يعرفها إذا خُلِّي بينه وبينها Porter, Richard H, and Jan Winberg. "Unique salience of maternal breast odors for newborn infants." Neuroscience & Biobehavioral Reviews 23.3 (1999): 439-449. https://doi.org/10.1016/S0149-7634(98)00044-X  (4).

وكذلك أمر الفطرة مع الإسلام؛ تعرف أنه الدين الحق المتوافق مع النداء الفطري الداخلي في نفسك. ومهما حاول المعاند إسكات هذا النداء أو التغافل عنه فإنه يسمعه عاليًا عند الأزمات الشديدة والصدمات. 

سفينة خشبية قديمة تصارع أمواجاً عاتية في عاصفة رعدية، تمثيل لتشبيه القرآن عن اللجوء لله عند الشدائد.

 

كما قال تعالى:  وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [يونس: 12] وقال تعالى : وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا [الإسراء: 67] 

وقال سبحانه : وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [الزمر: 8]

وكذلك قال الله عز وجل عن فرعون عند غرقه: حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس: 90]

فحتى إذا خفَتَ هذا النداء الفطري داخل الإنسان نتيجة فساد البيئة وتبدّل الفطرة، فإن المعرفة الفطرية تبقى راسخة في الأعماق، سواء وعى ذلك أم لم يعِه. فإذا وقع حادث صادم استيقظ داعي الفطرة من جديد.


كيف يدل برهان الفطرة على وجود الخالق؟

أولا: دلالة المبادئ العقلية الفطرية


فالأطفال الرضع يولدون بنظام معرفي إدراكيVernon، D.، von Hofsten، C.، Fadiga، L. (2010). Pre-natal Development and Core Abilities. In: A Roadmap for Cognitive Development in Humanoid Robots. Cognitive Systems Monographs، vol 11. Springer، Berlin، Heidelberg.https://doi.org/10.1007/978-3-642-16904-5_2  (5) يمكّنهم من الفهم والتعلم واكتشاف العالم منذ أيامهم الأولى، وحتى قبل تعلم اللغةFedorenko، Evelina، Steven T. Piantadosi، and Edward AF Gibson. "Language is primarily a tool for communication rather than thought." Nature 630.8017 (2024): 575-586. https://doi.org/10.1038/s41586-024-07522-w (6), وهذا النظام الإدراكي يتضمن البديهيات الفطرية الأولية ـ مثل عدم اجتماع النقيضين والسببية ـ والتي سيُبنى عليها سائر المعارف البشرية الأخرى. 

طفل رضيع بعيون بريئة ينظر للأعلى، يعبر عن ولادة الإنسان على الفطرة والاستعداد لتقبل وجود الخالق.

 

لكن هذه البديهيات تدلنا على الخالق قبل غيره؛ لأن الإنسان بمجرد أن يدرك افتقاره في وجوده للأسباب، يعلم أن له خالقًا غنيًا غير مفتقر. وإذا نظر في نفسه وما حوله من الإتقان والإحكام، علم أن هذا الصنع المتقَن لا بد له من صانع عليم حكيم قدير.

ولذلك نبهت الآية الكريمة إلى أن دلالة البديهيات على وجود الخالق وربوبيته تفوق دلالتها على أي معرفة أخرى، قال تعالى قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ [الشعراء: 24]

وقال المفسرون:

(إن كنتم موقنين" أي إن كنتم موقنين بشيء من الأشياء فهذا أولى بالإيقان تفسير فتح القدير، للشوكاني (1/1055). (7)).

(إن كنتم موقنين بشيء قط فذا أولى ما توقنون به لطهوره وإنارة دليله تفسير الكشاف، للزمخشري (4/386). (8)).

(إن كنتم موقنين أن ما تعاينونه كما تعاينونه, فكذلك فأيقنوا أن ربنا هو ربّ السموات والأرض وما بينهما تفسير الطبري (19/344). (9)).


ثانيًا: دلالة العلوم الحديثة على فطرية الإيمان بالله


تشير دراسات علم النفس المعرفي إلى أن الأطفال يولدون بميل طبيعي للإيمان بوجود خالق عليم، وأن هذا الميل سابق على اللغة والتعليم والتنشئة الاجتماعية.

ومن أشهر المشاريع العلمية التي اهتمت بدراسة موضوع فطرية الإيمان, هو المشروعBarrett، Justin L. Born believers: The science of children's religious belief. Simon and Schuster، 2012. (النسخة العربية: باريت، جاستن إل. فطرية الإيمان: كيف أثبتت التجارب أن الأطفال يولدون مؤمنين بالله؟ مركز دلائل، 2017). (10) الذي انطلق عام 2008, وبلغت تكلفته 1.9 مليون جنيه إسترليني واشترك به 57 باحثًا, أجروا أكثر من 40 دراسة منفصلة في 20 دولة تمثل المجتمعات الدينية والعلمانية. وكان قائد المشروع هو الدكتور جاستن باريت الباحث في مركز أكسفورد للأنثروبولوجيا والعقل.

الدكتور جاستن باريت، الباحث في مركز أكسفورد للأنثروبولوجيا والعقل، قائد مشروع فطرية الإيمان.

 وبعد ثلاث سنوات خلص المشروع إلى عدة نتائج، منها:

* أننا نولد بالفطرة مؤمنين بالله وبوجود حياة بعد الموت.

* أننا نولد بميل غريزي للإيمان بإله واحد خالق قيوم عليم قدير يحب الخير والأخلاق الحميدة.

* أن الأطفال يؤمنون بوجود مسبب للأسباب وغاية لوجود الأشجار والشمس والقمر والحيوانات وكل ما حولهم.

* أن هذا الإيمان الفطري ليس ناتجًا عن تلقين الأهل أو تأثير الثقافة؛, لأن نفس هذه الأفكار تظهر عند الأطفال الذين ُولدوا لآباء علمانيين ملحدين. 

* أن البيئة الفاسدة يمكن أن تحرف الفطرة السليمة. 

* أن الأطفال لديهم استعداد مبكر للتربية الدينية.

وكل هذه النتائج تتوافق مع مفهوم الفطرة الإسلامي، وتؤكد أصالة هذا المكوّن الفطري وعالميته، وأنه غير ناتج عن ظروف التنشئة. ولعلَّ هذا ما يفسّر انتشارَ الإسلام عالميًّا رغم الاضطهاد والتضييق، حتى باتت مراكز البحوث الغربية تتوقع أن يصبح الإسلام الديانة الأكثر انتشارًا خلال العقود القليلة المقبلة (11).  


ثالثا: دلالة الأخلاق الفطرية 


الفطرة ليست مجرد معرفة بالخالق، بل هي ميلٌ إلى عبادته ومحبته، وميلٌ إلى الخير وحسن الخلق، ونفورٌ من الشر. وهي بذلك تمثِّل مرجعية أخلاقية متماسكة ومنسجمة تماماً مع الوحي.

وقد جاء عن النواس بن سمعان الأنصاري قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ البِرِّ وَالإِثْمِ فَقالَ: «البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، وَالإِثْمُ ما حَاكَ في صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ»https://www.pewresearch.org/religion/2015/04/02/religious-projections-2010-2050/  (12).

وأما المجتمعات العلمانية فلا توجد بها مرجعية أخلاقية متسقة مع الفطرة؛  فتجد فيها من يرى قتل الأطفال والمسنين مسألةً نسبيّة أو مجرد مخالفة قانونية  يمكن تغيير القانون لإباحتها. 

وحتى لو امتنع الفردُ شخصيًّا عن ارتكاب هذه الأفعال، فإنه يظل عاجزاً تماماً عن إقامة معيار أخلاقي موضوعي من داخل النسق الإلحادي يثبت به بطلانها أخلاقيًّا لا قانونيًّا فقط. ذلك أن كل ما لا يمكن اختزاله إلى الوجود المادّي المحسوس يُعتبر عنده من قبيل الخَيال والأوهام، وما دام لا يوجد تركيبٌ ذري للخير والشر، والصوابِ والخطأ، فلا يمكن التعامل معها كحقائق موضوعية داخل هذا النسق.

وهذا في حد ذاته يصطدم صراحةً بما يعرفه الإنسان بفطرته من وجود فرق جوهري وحقيقي بين الخير والشر، مما يكشف  بجلاء  فساد النسق الإلحادي المادي من أساسه.


خاتمة


إن الفطرة ليست مجرد نزعة دينية عابرة، بل هي مكوِّن إنساني راسخ في أعماقنا، نورٌ أودعه الله في صدورنا، نداءٌ يخفت أحيانًا تحت ضجيج الشهوات والشبهات، لكنه لا يموت أبدًا. إنها بوصلة أخلاقية ترشدنا إلى الطريق الصحيح وتحذِّرنا من الانحرافات.

وقد أثبتت العلوم المعاصرة ما كان القرآن والسنة قد أخبرا به قبل قرون طويلة: أن الإيمان ليس اختراعًا ثقافيًا ولا موروثًا اجتماعيًا – كما حاولت التفسيرات المادية أن تبرِّر نشأة الدين بهذه الافتراضات –، وإنما هو الأصل الذي يُولد عليه كل إنسان، وما الإلحاد إلا انحرافٌ مؤقت يزول بزوال أسبابه.

كذلك فإن تضمُّن الفطرة للمبادئ الأولية، وسبق دلالة هذه المبادئ على الخالق قبل دلالتها على أي شيء سواه، يُبيِّن أن التفكُّر الإيماني أمرٌ يحصل بالسليقة، من غير تكلُّف ولا مشقة. وفي المقابل، يظل الملحد المعرض عن نداء فطرته في تخبُّط واضطراب دائمين مع المعايير الأخلاقية والبديهيات العقلية.

شارك المحتوى: