
ما هو برهان السببية (الافتقار السببي)؟
برهان السببية من أشهر الأدلة العقلية على وجود الله، ويقوم على ملاحظة افتقار الإنسان والعالم إلى أسباب خارجية لا يمكن أن تستمر بلا سبب أول غني قائم بنفسه.
أو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه درء التعارض درء تعارض العقل والنقل (3/266) (1):
''فالموجود إما غني عن كل ما سواه وإما مفتقر إلى غيره والفقير إلى غيره لا بد له من غنى بنفسه فعلم ثبوت الغني بنفسه على التقديرين''.
لماذا يُعد برهان السببية من أقوى أدلة وجود الله؟
يُعد برهان السببية من أقوى أدلة وجود الله لأنه ينطلق من حقيقة بديهية يدركها كل إنسان، وهي افتقار الموجودات إلى أسباب في وجودها واستمرارها، مما يدل بالضرورة على وجود خالق غني قائم بنفسه.
ويحتل برهان السببية مكانة خاصة بين أدلة وجود الله؛ لأنه يحوّل إدراك الإنسان لجهله وافتقاره إلى نقطة انطلاق لبناء معرفة وجودية يقينية. فمن خلال هذا الإدراك يتجاوز الإنسان كثيرًا من مسالك الشك والسفسطة التي وقع فيها عدد من الفلاسفة والمفكرين، ويستطيع أن يقيم جسرًا عقليًا بين الفكر والواقع، يدرك به حقائق وجودية عن نفسه، وعن العالم من حوله، وعن ضرورة وجود الخالق سبحانه وتعالى.
بل ونعلم اتصافه بالكمال المطلق، والوحدانية، والإرادة، والعلم، والقدرة، والحكمة، والربوبية، والألوهية. فالسببية ليست مجرد بديهة عقلية تنظم الفكر، بل هي حقيقة وجودية تفتح لنا نوافذ على عالم الغيب والشهادة.
من أين يبدأ برهان السببية؟
يبدأ برهان السببية من تدبُّر الإنسان لافتقاره الذاتي وجهله الملازم له. فهو مخلوق ضعيف يمكن خداع عقله وحواسه بسهولة، وبالكاد يعلم بعض الأشياء عن نفسه وعن هذا العالم، وما خفي عنه من الأسرار أضعاف ما تكشَّف له.
فالإنسان يعيش وهو لا يدري ما يحدث في أحشائه الداخلية، ويأكل وهو لا يشعر بمدى تراكم الدهون حول شرايين قلبه، ويجري به قطار العمر قسرًا من المهد إلى اللحد، فلا يمكنه إبطاؤه دقيقة واحدة. قال تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء: 28].
وبالرغم من أن هذا التدبُّر كافٍ كنقطة بداية، إلا أننا سنستحضر موقفًا أشد إمعانًا في الضعف والجهل والافتقار لننطلق منه.
تخيَّل أنك استيقظت ذات يوم فوجدت نفسك تسبح في الفضاء الخارجي، وقد فقدت الذاكرة، وانقطعت عنك كل وسائل الاتصال، وليس حولك أي شخص تسأله: ماذا حدث؟ ومن أنا؟ وكيف وصلت إلى هنا؟ أنت حتى لا تذكر هل أنت من سكان الأرض أم المريخ؟
في هذه اللحظة، أنت تجهل تقريبًا كل شيء عن نفسك وعن العالم من حولك. فهل يمكنك أن تتفكر فتعلم – ببرهان السببية العقلي لا بالشعور الفطري فقط– أن لك ربًّا إلهًا خالقًا عليمًا قديرًا حكيمًا يمكنك مناجاته؟

نعم، بالتأكيد يمكنك ذلك، رغم حالة الضعف والافتقار الشديدة التي تعانيها. وإذا كان الأمر كذلك في هذه الحالة القصوى، فكل عاقل يعيش على وجه الأرض يمكنه ذلك أيضًا، من باب أولى.
لماذا لا يمكن أن يشكّ الإنسان في جهله؟
قد تجهل كل شيء وتشك فيما تنقله لك جميع حواسك، أو يخلط عقلك بين الوهم والحقيقة، لكن تظل هناك حقيقة يقينية راسخة لا يمكنك الشك فيها أبدًا أو الجهل بها، هذه الحقيقة هي: «أنك جاهل لا تعلم كل شيء»، فهذا الأمر غير قابل للنفي عن طريق الشك؛ لأن الشك فيه يؤكده ويقرره بدلًا من أن ينفيه.
فعملية الشك نفسها تستبطن اليقين في وجود حقيقة مجهولة بالنسبة لك, فيقع الشك للبحث عنها. ثم إنك لو كنت كامل العلم لما خُدعت أصلًا، ولما كان هناك مساحة لتضليلك وإيهامك بأنك عالق في الفضاء وتجهل كل شيء من حولك؛ لأن الخداع حجب لبعض العلم، وهذا يناقض اتصافك بكمال العلم. وفي هذه اللحظة تتعطل آلة الشك عندك تمامًا، وتترسخ "أول فكرة يقينية عندك" عن حقيقتك الوجودية في هذا العالم.
بإدراكك لجهلك تدرك الفرق بين الافتقار والغنى عن الأسباب
بمجرد أن تدرك جهلك تعلم على الفور أنك مفتقر إلى أسباب خارجية للعلم (التجربة، البرهان، التعلم)، فأنت لست مكتفيًا بذاتك في تحصيل المعرفة، وإنما أنت ذات مفتقرة إلى غيرها.
وهذا لا يقتصر على أسباب العلم فقط، بل يمتد كذلك إلى سائر صفاتك مثل القدرة، فعجزك عن الحركة والوصول إلى مكان آمن بين هذه الأجرام التي تشاهدها يبين لك أنك مفتقر إلى أسباب القدرة التي لو توفرت لكنت قادرًا على السفر بين هذه النجوم والكواكب، ولما مكثت عالقًا في الفضاء.
وبذلك تنظر إلى الوجود من خلال نظارة السببية فتعلم أن هناك قسمين لا ثالث لهما:
- الغني: وهو الذي «لا يمنعه غياب الأسباب» من تحصيل النتيجة.
- المفتقر: وهو الذي «يمنعه غياب الأسباب» من تحصيل النتيجة.
وهذا الفرق بين الافتقار والغنى عن الأسباب هو "البديهة العقلية الوجودية الثانية" التي استقرت للتو في عقلك، وهي صحيحة إذا طبقتها على نفسك أو على العالم الخارجي من حولك، فتكون هذه هي اللحظة الفارقة التي يتحول فيها مبدأ السببية من مجرد بديهة معرفية إلى جسر يربط بين عالم الأفكار والعالم الخارجي تُعدُّ مشكلة مطابقة الفكر للواقع من أقدم المشكلات الفلسفية وأعمقها في تاريخ الفكر الإنساني. والسؤال المحوري الذي طرحه أفلاطون — ثم تناوله من بعده ديكارت وكانط وهيغل وغيرهم — هو: كيف نضمن أن ما نفكِّر فيه يطابق ما هو موجود في الخارج فعلًا؟ وقد تعدَّدت الاتجاهات الفلسفية في الجواب: من ربط المعرفة بعالم المثل، ومن ربطها بالعقل المحض، ومن علَّقها على الحسِّ التجريبي، ومن أسندها إلى البنية الذهنية القبلية، وصولًا إلى من علَّقها على الإيمان والحدس. غير أن مبدأ السببية يقدِّم معالجة جذرية لهذه الإشكالية، بانطلاقه من يقين وجودي مباشر لا يقبل الشك، وهو إدراك الإنسان لذاته بوصفه مفتقرًا في وجوده وعلمه إلى غيره. هذا اليقين الفطري لا يُستمد من الحس، ولا من التجربة، ولا من الميتافيزيقا المجرَّدة، بل من وعي الإنسان المباشر بجهله وافتقاره. ومن خلال التحليل المنطقي لمبدأ السببية يُبنى جسر آمن بين الفكر والواقع. فيتجنَّب بذلك إشكال الواقعية الساذجة التي تفترض تطابقًا تامًا بين الواقع الخارجي وما تنقله الحواس مباشرة، متجاهلةً تعقيد عملية الإدراك وإمكانية الخداع الحسي، كما يتجنَّب إشكال الخلط التام بين الوجود الذهني والخارجي الذي دفع بعض الفرق الإسلامية إلى تأويل صفات الخالق خوفًا من التشبيه وتعدُّد القدماء. وأخيرًا، يُفسِد على المشكِّكين والسوفسطائيين دعواهم بانقطاع تام وعزلة مطلقة بين الفكر والواقع، إذ يكون قد قدَّم ضمانة عقلية لوجود الواقع الخارجي، ولسريان البديهيات العقلية الأولى — كمبدأ السببية وقانون عدم التناقض — في هذا الواقع الخارجي تمامًا كما تسري في الفكر ذاته. (2)، وتكون بذلك قد نجحت في عبور هذا الجسر الذي أخفق ديكارت في عبوره، والذي سقط من فوقه هيوم وكانط وغيرهم الكثير من الفلاسفة والمفكرين.
لماذا لا يمكن للمفتقر أن يقوم بنفسه؟
الآن أنت تعلم أنك مفتقر، لم تُوجد بغير موجد، ولم توجد نفسك، وليس لك قدرة على إيجاد شيء من هذه الكواكب والنجوم، كما قال تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ [الطور: 35-36]، فأنت مفتقر إلى أسباب حياتك التي هي قلبك الذي يدق ورئتك التي تتنفس بها وباقي أجزاء جسدك، كما أنك مفتقر إلى بدلتك الفضائية التي تمدك بالأكسجين وتحافظ على حرارتك حتى لا تتجمد.
وهذه البدلة مفتقرة إلى أسباب وجودها ومفتقرة كذلك إلى القوّة التي تربط ذراتها وتشُدّ أجزاءها بعضها إلى بعض؛ لأن هناك أجزاء مهشمة وممزقة منها، فلابد أن هذا كان نتيجة زوال بعض أسباب تلك القوّة باصطدام وقع مع شيء ما، ولعل هذا هو السبب الذي أثر في ذاكرتك.
وكذلك تلك الصخور التي تدور في مدارات محددة لابد أن لهذا الدوران سببًا؛ لأنها حين تتصادم تتهشم وتتحرك في مدارات جديدة. فكل هذه الأشياء مفتقرة؛ لأن وجودها وزوالها وخصائصها محكومة بالأسباب، ويمنعها غياب الأسباب عن تحصيل النتائج، وهذه صفة المفتقر.
لكن إذا كان المفتقر لن يوجد إلا بعد أن توجد أسبابه أولًا، ولن يستمر وجوده إلا باستمرار وجود أسبابه، فلابد أن هناك سببًا أول أوجدنا وما زال قائمًا على أمرنا، ولابد أنه غني غير مفتقر مثلنا؛ لأنه لو كان مفتقرًا لما وُجد أصلًا حتى يوجد غيره.
ثمّ إنّ افتقارنا إلى الغنيّ دائمٌ، وليس محصورًا في لحظة البداية فحسب. فالأمر ليس كتأثير أوّل قطعة دومينو على بقيّة القطع، بحيث لو أُزيلت تلك القطعة بعد أن أعطت الدفعة الأولى لما تأثّر سقوط القطع التالية.
وإنّما يظلّ كلُّ مخلوق، ومعه جميع أسباب وجوده، مفتقرين دائمًا إلى الخالق الغنيّ، ولا ينحصر هذا الافتقار في لحظة الإيجاد الأولى وحدها والنظر للسببية من هذه الزاوية يجعلنا نستغني عن مناقشة قضية تسلسل الحوادث اللانهائية في الماضي؛ لأن العلاقة بين النتيجة الحالية المتمثلة في وجود المفتقر وبين أسبابه ليست فقط علاقة زمانية تربط لحظة الإيجاد الماضية بلحظة الوجود الحاضرة، وإنما هي علاقة افتقار سببي مستمرة في جميع الأزمنة، بل وتتجاوز التمثيل الزماني فتمتد إلى جوهر الأشياء وهويتها، فيكون أخص خصائص المفتقر ليس الحدوث وإنما أنه يمنعه غياب الأسباب من تحصيل النتائج, وأنه مفتقر في وجوده وصفاته إلى الأسباب. (3). قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِن بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [فاطر: 41].
كما أن المفتقر لا يمكن أن يستغني بمجموع المفتقرين عن الغني، فلا يمكن أن يستند كل مفتقر في وجوده إلى مفتقر آخر، فيشكّلون بذلك دائرة سببية مغلقة قائمة بنفسها. لأن كل فرد مفتقر في هذه السلسلة لن يوجد إلا بعد اكتمال السلسلة كلها، والسلسلة لن تكتمل إلا بوجود كل فرد مفتقر فيها، وهذا دورٌ محال يُعَدّ الانغلاقُ السببي—أي الدورانُ في سلسلة الأسباب من دون افتراض سببٍ أوّل مكتفٍ بذاته—أمرًا محالًا منطقِيًّا ورياضِيًّا ووجوديًّا. وتكشف مبرهنتا غودل لعدم الاكتمال عن هذه الاستحالة المنطقية الرياضية بوضوح. وينسحب هذا المبدأ على العالم الطبيعي أيضًا؛ فلا يمكن افتراض أن الكون قائمٌ بذاته أو أزليٌّ بلا حاجة إلى تفسير لوجوده، كما لا يمكن التعويل على «نظرية كلّ شيء» لتقديم تفسيرٍ ماديٍّ مكتمل للوجود. وقد أقرّ عددٌ من الفيزيائيين المادّيّين بهذه الإشكالية، ومنهم ستيفن هوكنغ، https://www.damtp.cam.ac.uk/events/strings02/dirac/hawking.html وكذلك لورانس كراوس في ورقةٍ علميّة حديثة https://jhap.du.ac.ir/article_488.html (4).
فوجودك ووجود غيرك من المفتقرين الذين لا يقومون بأنفسهم يدل على وجود الغني الذي خلقهم.
وهنا تعلم "البديهة اليقينية الثالثة" وهي ضرورة وجود الخالق الغني، ثم لا يتوقف برهان السببية عند هذا الحد فيثبت واجب الوجود فقط، وإنما يستمر ليخبرنا عن صفات هذا الخالق الغني القائم بنفسه.
لماذا يجب أن يكون الخالق كلي القدرة؟
يجب أن يكون الخالق كلي القدرة لأن كل قدرة محدودة تدل على افتقار إلى أسباب تمنحها تلك القدرة وتحدد حدودها، بينما الخالق الحق لا يكون مفتقرًا إلى شيء.
فالشيء إذا كان له تأثير وقدرة محدودة تقف عند حد معين لا يستطيع تجاوزه، كان مفتقرًا بالضرورة وذلك لسببين:
- لأن هذا الحد المعين الذي وصلت إليه قدرته لم يكن من ذاته، وإنما كان من الأسباب التي توفرت له فخصصت قدرته عند حد دون غيره.
- ولأن هذا الحد المعين لابد أن يكون فوقه مستويات أعلى من القدرة بلا نهاية، وقد حُجبت لغياب أسباب تحصيلها. ومن يمنعه غياب الأسباب يكون مفتقرًا لها، فلا يكون هو الخالق الغني.
ولذلك لا يمكن أن يكون الخالق هو هذا الكون أو المادة أو الطاقة أو الطبيعة التي تؤثّر بمقتضى خصائصها وقدرتها المحدودة؛ لأن هذه الأشياء كلها محكومة بقوانين سببية تعجز عن تجاوزها، وكل من كانت قدرته محدودة فهو مفتقر ولا يمكن أن يكون هو الخالق الغني.
لماذا لا يكون القائم بنفسه غنيًّا عن أسباب وجوده فقط، لكنه مفتقر إلى أسباب أخرى فيكون محدود القدرة رغم قيامه بنفسه؟
لا يمكن أن يكون القائم بنفسه غنيًّا عن أسباب وجوده فقط مع كونه مفتقرًا في قدرته؛ لأن من لا يمنعه غياب الأسباب من تحقيق نتيجة واحدة، لا يمنعه غيابها من تحقيق بقية النتائج أيضًا.
فلو منعك غياب أسباب التفاح من إيجاد التفاح، فأنت مفتقر إلى الأسباب ومحدود القدرة. ولو مكّنك وجود أسباب التفاح من إيجاده، فأنت أيضاً مفتقر إلى الأسباب ومحدود القدرة، إذ وقفت قدرتك عند الحد الذي توفرت له أسبابه.
أما لو لم يمنعك غياب أسباب التفاح من خلقه، فإن غياب أسباب النجوم والمجرات لن يمنعك من خلقها أيضًا؛ وذلك لأن المانع الذي هو "غياب الأسباب" لا يمنعك أصلًا من تحصيل النتائجوهذا ردٌ قاطع على من يدّعي أن القدرة قد تكون محدودة بمقتضى الطبع أو الذات، وأن الوصول إلى حدٍّ معين من القدرة هو من الذاتيات المستغنية عن السبب –بمعنى أنها خصائص لا تحتاج علةً غير علة وجود الذات نفسها–، بينما تجاوز هذا الحد والوصول إلى مستويات قدرة أعلى يفتقر إلى أسباب عرضية خارجية، استناداً إلى قاعدة "الذاتي لا يعلل والعرضي يعلل". وهو بهذا يخلط بين المقام الإثباتي الذهني (في تصور الماهية) والثبوت الوجودي في الواقع. وبطلان هذا القول يتضح مما تقدم من امتناع حصول الاستغناء عن الأسباب في جانب دون آخر, فالأمر إما افتقار شامل في الجميع، أو استغناء شامل في الجميع. وسواء كان الوجود ذاتيا (واجب الوجود ) أو عرضيا (ممكن الوجود), فلا يمكن افتراض شيء مستغنٍ في علة وجوده وذاتياته لكنه مفتقر في عرضياته أو في الأسباب التي ترفع قدرته إلى مستويات أعلى (كما في مثال التفاح، حيث لا يمكن الاستغناء عن أسباب التفاح مع الافتقار لأسباب النجوم). وكذلك لا يمكن افتراض شيء مستغنٍ في ذاتياته ومفتقر في عرضياته أو مفتقر في علة وجوده. فمثلاً: وجود السكر (السكروز) معلل، وصفته الذاتية –في التصور التقليدي– أنه حلو المذاق. فهل يصح القول إن حلاوته لا تعلل؟ وفق قاعدة "الذاتي لا يعلل" ينبغي اعتبار الحلاوة صفة ذاتية لا تحتاج تعليلاً خارجياً، لأن فقدانها يغير هوية الشيء فلا يكون سكروزاً. وإذا قيل إن هناك علة جعلته حلو المذاق، فهذا –في ظاهره– يعني أن السكر لم يكن سكراً حتى تحققت تلك العلة فجعلته سكراً، مما يبدو تناقضاً ونفياً لماهية الشيء. وعلى هذا المنوال يكون وجود "سكر غير حلو المذاق" مستحيلاً. (5)لكن الواقع يكذب هذا التصور تماماً؛ فهناك علة جعلت السكروز حلو المذاق رغم اعتباره صفة ذاتية، وإذا تخلفت تلك العلة أصبح غير حلو. ولذلك توجد مركبات سكرية غير حلوة المذاق مثل السيلوبيوز، والسر في ذلك تكوّن روابط بيتا بين جزيئات الجلوكوز بدلاً من روابط ألفا في السكروز، مما يمنع تفاعلها الفعال مع مستقبلات التذوق الحلوة على اللسان. وكذلك النشا –وهو بوليمر جلوكوز بروابط ألفا فيتجمع في بلورات كبيرة لا تتفاعل مباشرة مع تلك المستقبلات. أي أن هناك أسباباً وتفسيرًا علمياً دقيقاً لو بحثنا عنه لوجدناه، وليس الأمر أن ذات المفتقر –بمجرد وجودها– تقتضي حزمة من الخصائص الذاتية اللازمة التي لا تنفك عنها. وإنما الصحيح أن المفتقر يفتقر إلى أسباب وجود جميع خصائصه وصفاته التي تشكل في مجموعها ذاته، بينما الغني –سبحانه– قائم بنفسه، غير مفتقر لعلة وجود، ومتصف بالكمال المطلق في صفاته وأفعاله. (6).
الخلاصة: إذا كان القائم بنفسه هو الغني عن الأسباب في وجوده، والغني عن الأسباب في خلقه للمخلوقات، فإن غياب جميع الأسباب الأخرى لا يمنعه من تحصيل جميع النتائج الممكنة، وبذلك يكون متصفًا بالقدرة المطلقة. وهذه هي "البديهة اليقينية الرابعة".
لماذا يجب أن يتصف الخالق بالعلم والإرادة والحكمة؟
الخالق إذا لم يكن عليمًا ولا مريدًا، فإن قدرته المطلقة ستكون كقنبلة بلا سيطرة تدمّر كل شيء، فتَظهر الأشياء وتزول بلا نظام، وهذا ما يمكننا تسميته «انفجارًا وجوديًّا» على غرار الانفجار المنطقي ما هي علاقة الانفجار الوجودي بالمنطقي؟
في المنطق الرياضي الكلاسيكي عند راسل وفريجه، إذا وقع تناقضٌ واحدٌ بإثبات شيءٍ ونقيضه، لزم من ذلك سقوط المنطق وانهيار النظام بأكمله وهذا يعرف باسم "مبدأ الانفجار"؛ إذ يصبح استنتاجُ أيِّ شيءٍ وكلِّ شيءٍ مباحًا، بل ربما ضروريًّا ومبرهَنًا، لأننا نكون حينئذ أمام قوةٍ استنباطيةٍ مطلقةٍ بلا حدودٍ أو قيود، مما يجعلها شبيهةً بقدرةٍ مطلقةٍ لا تخصّصها إرادة.
فمثلًا لو قلنا:
كلُّ الليمون أصفرُ اللون.
ليس كلُّ الليمون أصفرَ اللون.
فقد نتوقع أن هاتين المقدمتين المتناقضتين تُنتجان نتيجةً ما مرتبطةً بالليمون أو بلونه فقط، أو ربما نتوقع أنه لا يمكن استنباط أي شيء منهما. لكن الحقيقة أن هذه المقدمات المتناقضة تقود إلى أي استنتاج دون شرطٍ أو قيد، مثل: العنقاء موجودة، أو الفيلة تطير، أو المثلث مربع، أو الواحد = اثنين، …إلخ.
والسبب أنه إذا بُني على المقدمة الأولى (كل الليمون أصفر اللون) نقيضُها (ليس كل الليمون أصفرَ اللون)، فإن هذا البناء في ذاته ينفي التراتبية المنطقية والعلاقة الاستدلالية، ويُبيح استنباط أيِّ شيءٍ وكلِّ شيء في النتيجة النهائية؛ لأن العلاقة الاستنباطية نفسها أصبحت غير مقيّدة.
فإذا كان بوسعك الاستدلالُ من أن كل الليمون أصفر على أن الليمون ليس كله أصفر، أمكنك بعد ذلك الاستدلال من المقدمة نفسها على أي شيء آخر، لأنه لن يكون أشدَّ تناقضًا من هذا التناقض الأول. (7).
ولو كان الأمر كذلك، لاستحال وجود قوانين فيزيائية منتظمة في الكون، ولما كان للأشياء خصائص ثابتة؛ لأنها ستظل دائمًا عرضة لقدرة مطلقة تغيرها بلا ضوابط، ولا يمكن أن يعصمها شيء من بطش تلك القدرة ولو بشكل مؤقت, وبالتالي لن نكون هنا حتى نتساءل عن الخالق.
لكننا نرى كونًا منظمًا، فلا بدَّ أن يكون الخالق متصفًا بالعلم والإرادة اللذين يخصصان قدرته المطلقة.
حتى لو قلت: «ربما أكون دماغًا في حوض زجاجي أعيش في وهم افتراضي»، فمع ذلك يستحيل أن تكون موجودًا في كون غير مستقر وفي الوقت ذاته تجد مساحة آمنة وفسحة من الوقت لتتوهم تلك الأوهام.
الخلاصة: أن القائم بنفسه الغني عن الأسباب لابد أن يكون كلي القدرة، عليمًا، مريدًا، ومن هذه الصفات يمكننا أن نقول أيضًا إنه حكيم؛ لأن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه، ولا يمنع ذلك إلا نقص في القدرة أو العلم أو الإرادة، وكل ذلك منتفٍ عن الغني القائم بنفسه. وهذه هي "البديهة اليقينية الخامسة".
لماذا يجب أن يتصف الخالق بالوحدانية؟
يجب أن يكون الخالق واحدًا؛ لأن تعدد الإرادات المستقلة يؤدي بالضرورة إلى اضطراب النظام وفساد الكون.
فلو افترضنا وجود إلهين أو أكثر لكل واحد منهم إرادة مستقلة وقدرة مطلقة، فإن تعارض الإرادات يصبح ممكنًا، وعندئذٍ يختل انتظام الكون أو ينعدم. أما إذا كانت الإرادات دائمًا متوافقة بلا إمكانية للتعارض، فلا يكون هناك تعدد حقيقي في الإرادة والسلطان، بل يكون الأمر في الحقيقة عائدًا إلى إرادة واحدة. ولهذا فإن افتراض تعدد الآلهة يقود في النهاية إلى فساد النظام أو إلى نفي التعدد نفسه.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى بقوله تعالى:
لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [الأنبياء: 22].
ومن هنا يتبين أن انتظام الكون يدل على وحدانية الخالق، وهذه هي "البديهة اليقينية السادسة".
لماذا يجب أن يتصف الخالق بالكمال المطلق؟
يتصف الخالق بالكمال المطلق لأن كل نقص يدل على افتقار إلى سبب يكمّله، بينما الخالق الغني القائم بنفسه لا يكون مفتقرًا إلى شيء.
فالنقص في الوجود أو الصفات أو الأفعال لا يقع إلا نتيجة غياب سبب يحقق الكمال أو يحفظه. أما من كان غنيًا قائمًا بنفسه، غير مفتقر إلى غيره في وجوده ولا في صفاته ولا في أفعاله، فإنه لا يلحقه نقص بأي وجه من الوجوه؛ لأن النقص يستلزم الافتقار، والافتقار يناقض حقيقة الغنى.
وبذلك يتبين أن الخالق الغني، المتصف بالعلم والإرادة والقدرة، هو كامل الكمال في جميع صفاته وأفعاله، وهذه هي "البديهة اليقينية السابعة".
الخالق لا إله غيره ولا رب سواه
إذا علمت أن لك خالقًا متصفًا بكل صفات الكمال وله القدرة والعلم والملك وله كل فضل عليك، فلابد أنه وحده المستحق للعبادة، فلا إله غيره ولا رب سواه، وبذلك يتوجه صديقنا العالق في الفضاء إلى ربه يتضرع له ويناجيه ويطلب منه أن ينقذه. ويكون قد علم "البديهة اليقينية الثامنة"
ما هي الصياغة المنطقية لبرهان الافتقار السببي؟ لصياغة رمزية لبرهان الافتقار السببي, يُرجى الاطلاع على هذه الورقة
Ibrahim, Ahmed M. "Proof of Causality for the Existence of God and His Attributes: A Logical Approach." (2025).
https://philpapers.org/rec/IBRPOC (8)
الصياغة المنطقية لبرهان الافتقار السببي:
- كلُّ عاقل يدرك يقينًا أنه جاهل مفتقر إلى أسباب العلم.
- المفتقر هو من يمنعه غياب الأسباب من تحصيل النتيجة.
- كلُّ مفتقر إلى الأسباب لا يقوم بنفسه، بل يقوم بتلك الأسباب التي افتقر إليها.
- لا يمكن أن تكون سلسلة المفتقرات قائمة بذاتها؛ إذ تبقى دائمًا غير مكتملة، مفتقرة إلى سبب أول غنيٍّ قائم بنفسه.
- لو لم يوجد غنيٌّ قائم بنفسه، لكان الوجود كله مفتقرًا، واستحال وجود أيِّ شيء.فوجود الغني ضروريٌّ.
- الغنيُّ هو من لا يمنعه غياب الأسباب من تحصيل النتيجة.
- الغنيُّ يجب أن يكون كليَّ القدرة؛ إذ لو كان محدود القدرة لافتقر إلى أسباب تمنح مستويات القدرة الأعلى، وهذا تناقض مع تعريفه.
- الغنيُّ يجب أن يكون عليمًا حكيمًا مريدًا؛ إذ لو لم يكن كذلك لكانت قدرته المطلقة عشوائية مدمرة لكل نظام، وهذا يناقض الواقع المشاهَد.
- الغنيُّ يجب أن يكون واحدًا؛ إذ لو تعدد لتعارضت الإرادات، وفسد النظام، وهذا يناقض الواقع المشاهَد.
- الغنيُّ يجب أن يتصف بالكمال المطلق في جميع صفاته الحسنى؛ إذ النقص افتقار إلى سبب مكمِّل، وهذا تناقض مع تعريفه.
- الخالق المتفرد بالخلق والملك والكمال والفضل والإنعام علينا هو وحده المستحق للعبادة، فلا إله إلا هو سبحانه.
وهذه الخطوات جميعا يمكن تلخيصها في جملة واحدة هي «أنا مفتقر إذن الله موجود».
وكما وعدتكم في بداية هذا المقال أن أبين لكم مدى قوة ونجاح برهان السببية في إثبات وجود الخالق سبحانه واتصافه بالكمال المطلق والوحدانية والإرادة والعلم والقدرة والحكمة والربوبية والألوهية، وأن مباني هذا الاستدلال كلها قضايا بديهية ضرورية لا تغيب عن أي عاقل ولا يمكن التشكيك فيها أبدًا. بل إن آثار برهان السببية تمتد إلى معالجة بعض مسائل القضاء والقدر، مِمَّا يَضِيقُ المقام هَهُنَا عن بَسْطِهِ.
مناظرة المتشككين
والآن دعونا نتخيل أن صديقنا العالق في الفضاء قد عاد إلى الأرض سالمًا غانمًا بعد أن استجاب الله دعاءه، فوجد في انتظاره لفيفًا من الفلاسفة والمفكرين المتشككين يريدون مناقشته حول برهان السببية.

اعتراض هيوم على ضرورة السببية في الذهن
هيوم: مَهْلًا. أنت تبني قصرًا على الرمال. السببيّة ليست ضرورةً عقلية، بل هي عادةٌ ذهنية نشأتْ من تكرار اقتران الأحداث. عقلك لا يستطيع استنباط المُسبَّب من السبب، ولا استنباط أيّ علاقة سببية بين شيئين بمجرد التأمّل.
أعطيك مثالًا: تأمّل كرة البلياردو؛ هل تستطيع أن تعرف، من مجرد تصور فكرتها، ما ستفعله عندما تُضرَب؟
أو لماذا يمكننا بكل سهولة أن نتصور النار بلا إحراق من غير أن نقع في تناقض؟
الرد على هيوم
صديقنا: في عالم المحسوسات (النار والإحراق)، فقد جانبَكَ الصواب حين جعلتَ أخصَّ خصائص النار أنها تحرق، وتصورتَ أنه يفترض بنا استنباط خصائصها التجريبية بالعقل المحض. والحقيقة ليست كذلك، وإنما أخصُّ خصائص النار أنها مفتقرةٌ لأسباب وجودها حتى تحرق.
وهذا أمرٌ ثابت لا يتغيّر ولا يتبدل، حتى لو تبدلت النار نفسها إلى نارٍ لا تحرق؛ لأنها حينئذ ستكون نارًا أخرى نشأت بأسباب أخرى. ويكون دور التجربة هو الكشف عن الخصائص التي توافرت أسبابها فعلًا في الواقع.
وبالمثل، فإن أخصَّ خصائص الإنسان ليست أنه حيوانٌ ناطق، وإنما أنه مفتقرٌ لأسباب وجوده حتى يكون على ما هو عليه. وكان يمكن أن يخلقنا الله على صورةٍ أخرى وصفاتٍ أخرى، أو من أصلٍ غير الطين؛ فيخلقنا من صخر أو نار أو دخان أو نور، لكننا في جميع الأحوال سنكون مفتقرين إلى الخالق.
وأما في عالم المفاهيم، فأريدك أن تتأمل مفهوم الفقر أو النقص: هل يمكن فكُّ الارتباط بين الفقر والحاجة إلى سببٍ مكمِّل؟ مستحيل؛ لأن العلاقة تحليلية، وبالتالي فهي ضرورة منطقية وليست عادة تجريبية.
أنا لا أستدل بتكرار المشاهدات ولا بتتابعها زمانيًا، بل أستدل باستحالة التناقض: "لا يمكن لناقصٍ أن يُكمِل نفسه بنفسه". هل لديك مثال واحد لشيءٍ أعطى نفسه ما لا يملك؟
تأمّل مفهوم الجهل: هل تستطيع أن تنزع عنه معنى الافتقار إلى أسباب العلم؟ مستحيل.
وتأمّل فكرة كمال العلم: هل يمكن أن يتصف بها من يُخدَع أو يُضلَّل؟ مستحيل؛ لأن الخداع نفسه نقصٌ في العلم وزوالٌ لبعض أسبابه، فهو تناقضٌ ذاتي.
إذن يمكننا أن نستنبط بالعقل المحض علاقاتٍ سببيةً ضروريةً من مجرد تأمل المفاهيم، وهذا كافٍ لهدم أساس مذهبك.
اعتراض هيوم على ضرورة السببية في الواقع
هيوم: ربما يكون هذا صحيحًا، لكنه ما زال مجرد تحليلٍ لمفاهيم ذهنية لا يخرج إلى الواقع.
الرد على هيوم
صديقنا: بل يخرج بالضرورة؛ فالسببية هي الجسر بين الفكر والواقع. إدراكُ النقص في الذهن يستلزم النقصَ في الواقع بالضرورة؛ لأن الكمال الواقعي يستحيل أن يُنتج إدراكًا للنقص. فلو كنتَ عالمًا بكل شيءٍ حقيقة، لما استطاع أي سببٍ في الكون أن يحجب عنك شيئًا من العلم، لأنك—بحكم الكمال—غنيٌّ عن أسباب العلم أصلًا، فلا يمكن أن يؤثر فيك زوالُ سببٍ.
إذن، علمي اليقيني بأنني جاهلٌ الآن ليس وهمًا ولا خداعًا محتملًا، بل هو دليلٌ قاطع على جهلي الواقعي وافتقاري فعلًا لأسباب العلم.
اعتراض كانط
(هنا يتدخل كانط فجأة في الحوار لينقذ هيوم من هزيمة كاملة، ويحاول التعتيم على الحقائق الوجودية اليقينية التي وصلنا إليها)
كانط: لحظة! لحظة! حتى لو كانت السببية ضرورية، فإنها داخل عقلك فقط، أو هي مقولة قبلية. أنت لا تستطيع القفز بها لتثبت وجودًا خارجيًّا. عقلك سجين الظواهر، ولا يطال الأشياء في ذاتها.
الرد على كانط
صديقنا: لم تُنقذ هيوم بكلامك هذا يا كانط! فإقرارك بأن السببية علاقة ضرورية في عالم الفكر هو بالضبط ما أقرَّ به هيوم منذ قليل حين ضاق عليه الخناق، ثم عاد وجادل في ضروريتها في عالم الواقع. وها أنت تسير في المسار نفسه، فيلزمك ما لزمه.
فبالرغم من أن إدراكي لنقصي وجهلي "ظاهرة" داخل عقلي، إلا أن هذه الظاهرة تحمل في طياتها استحالة أن تكون وهمًا محضًا لا حقيقة واقعية له. لأن "الواقع في ذاته" لو كان كاملًا غنيًّا لما نتج عنه بأي حال من الأحوال وهمٌ بالجهل والنقص. إذن التناقض يلاحقك حتى داخل أسوار عقلك، وحقيقة افتقارك هي الثقب الذي ينفذ منه الضوء من عالم الواقع ليبدِّد ظلمات الشك داخل عقلك.
اعتراضات كراوس وكارول
(يَخفت صوتُ الفلسفة، ويظهر لاعبٌ جديد على ساحة الجدل: إنه العلم الحديث).
لورانس كراوس: للردّ التفصيلي على معظم الشبهات المثارة حول فيزياء الكم التي يُوظِّفها بعضُ الملاحدة، يُرجى الاطلاعُ على الفصل الثاني من كتاب اختراق عقل، و كتاب السببية وميكانيكا الكم ، لأحمد إبراهيم. (9) حسنًا، لنترك كل هذه الدراما الفلسفية القديمة. الفيزياء الحديثة تخبرنا أن «اللا شيء» غير مستقر، ويمكنه أن يولِّد أكوانًا. الكون جاء من لا شيء، ولسنا بحاجة إلى خالق.
شون كارول: نعم يا كراوس، الكون موجود منذ الأزل بشكل أو بآخر (تذبذبات كمومية، أكوان متعددة… إلخ)، فلماذا لا تكون الطبيعة نفسها هي الغني الأزلي الذي لا يحتاج إلى شيء خارج عنه؟
الرد علي كراوس وكارول
صديقنا: أنت تلعب بالألفاظ يا كراوس. الفراغ الكمومي عندك ليس «عدمًا محضًا»، بل هو «شيء» له خصائص فيزيائية (يتموَّج، يخضع لقوانين، يملك طاقة).
سؤالي القاتل لك ولصديقك كارول: هل الطبيعة، أو الأكوان المتعددة، أو الفراغ الكمومي, محدودة القدرة أم مطلقة؟
كارول: بالطبع ليست مطلقة؛ كلها أشياء محكومة بطبيعتها وقوانينها.
صديقنا: «محكومة» = «مفتقرة». كل ما كان محدود القدرة يعجز عن تجاوز حدِّه، فهو مفتقر إلى الأسباب التي مكَّنته من الوصول إلى هذا الحد، ومفتقر كذلك إلى الأسباب التي يُفترض بها أن تمكِّنه من تجاوز هذا الحد، وبالتالي فهو ليس قائم بنفسه حتى يكون أزليًا.
وقوانين الفيزياء الحاكمة للطبيعة ليست إلا تعبيرًا عن الحدود والشروط والقيود السببية التي تمنع المفتقرين من التأثيرات المطلقة. أما الغني فلا يمكن منعه من شيء؛ لأنه لا يفتقر إلى شيء. (يسدل الستار، ويبقى صمت مطبق في القاعة)
من هيوم إلى كانط إلى كارول إلى كراوس…
كلهم سقطوا أمام جملة واحدة بسيطة: «أنا مفتقر إذن الله موجود». هذه الجملة على اختصارها إلا أنها تمثل رحلة الفكر الإنساني من الشك إلى اليقين، ومن الإقرار بالافتقار الذاتي إلى الإيمان بالغني الحميد.
الخلاصة: يبيّن برهان السببية أن إدراك الإنسان لافتقاره وجهله ليس مدخلًا للشك، بل هو أقصر طريق إلى اليقين بوجود الله الغني الحميد، القائم بنفسه، الذي لا يقوم شيء إلا به. قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر: 15]. والحمد لله رب العالمين.








