﷽
ما المقصود بمعضلة التَّعاوُن (باختصار)؟
معضلة التَّعاوُنهذه الإجابة المختصرة ستُشرح بتوسع في هذا المقال. (1) سؤال جوهري في علم الأحياء: كيف يمكن لسلوك تعاوني مكلف فرديًا أن ينشأ ويستمرَّ وينتشر في نظام تحكُمه آليات عمياء تُفضِّل الأنانية وتُعظِّم الربح الفردي؟
وَفق الإطار الدارويني القائم على الطفرات والانتخاب الطبيعي، يفترض أن تؤدي الأنانية إلى تآكل التعاون وانهيار النظام، ومع ذلك فإن التَّعاوُن منتشر ومستمرٌّ في كل مستويات الحياة، وهو ما يشكِّل تحدِّيًا بنيويًّا يطعن في أصل نظرية التَّطوُّر الداروينيةلمعرفة نظريةِ التطور وإطار عمل آلياتها الأساسية (الطفرات والانتخاب الطبيعي)، يرجى مراجعة مقال «نقد علمي لنظرية التطور الداروينية». (2).
نقد نظرية التطور الداروينية عن طريق معضلة التعاون:
ماذا يُقصد بالتعاون، وما مشكلته مع الانتخاب الطبيعي؟
التعاون هو أن يدفع الكائنُ الحيُّ تكلِفةً ما، من أجل تقديم النفع للآخرين ومساعدتهم. ولذلك لم يكن من المتوقَّع وجود التعاون وانتشاره في عالم مادِّيٍّ قائم على المصلحة الفردية والصراع والتنافس من أجل البقاء.
وإذا كان التعاون يعني تقديم يد العون للآخرين ومشاركة الموارد معهم، وكان الانتخاب الطبيعي يعني الاهتمام بالمصلحة الفردية على حساب الغير والصراع بقوة على الموارد لدفع الخصوم نحو الانقراض. فلا شكَّ إذن أنهما على طرفي نقيض. ولا شكّ أيضًا أن وجود التعاون في الطبيعة واستمراره كان من شأنه أن يرعب داروين الذي أسس نظريته على الانتخاب الطبيعي.
التعاون يُمثِّل أساسًا وهيكلًا للنظام البيولوجي:
التعاون منتشر جدًّا في مجتمعات الكائنات الحية بكل طبقاتها وتشعُّباتهاسلسلة مرئية توضح انتشار التعاون وتنوّع صوره في مختلِف مستويات الكائنات الحية.https://www.youtube.com/playlist?list=PLeTXUNmkxZZbXIIFa4CzfiIghFJrUsBil (3)، بل هو أساس وجود كل صور الحياة واستمرارها. وهذا ما تؤكده العديد من الأبحاث العلمية الحديثة، إذ يشير (ستراسمان) وزملاؤه إلى أن «التعاون واسع الانتشار في مختلِف الأصناف وهو ضروري لوجود الحياة»Strassmann, Joan E., et al. "In the light of evolution V: Cooperation and conflict." Proceedings of the National Academy of Sciences 108.supplement_2 (2011): 10787-10791.https://doi.org/10.1073/pnas.1100289108 (4).
كما يُعدّ التعاون أساسًا في بنية النظام البيولوجي وهيكله، إذ يشير (ويست) وزملاؤه إلى أن
: «صور الحياة المعقَّدة تُبنى بالتعاون. تتعاون الجينات لإنتاج الكائنات الحية، تتعاون الخلايا لإنتاج كائنات متعدِّدة الخلايا وتتعاون الحيوانات متعدِّدة الخلايا لتشكيل مجموعات اجتماعية معقدة. يطرح هذا التعاون مشكلة تطورية. يُحقِّق التعاون منفعة للأفراد الآخرين، فإذا كان كل شيء آخَر على قدم المساواة، فهذا من شأنه أن يقلل من كفاءة الأفراد المتعاونين»West, Stuart A., et al. "Ten recent insights for our understanding of cooperation." Nature ecology & evolution 5.4 (2021): 419-430.https://www.nature.com/articles/s41559-020-01384-x
(5).
كيف تنحاز آليات التطور للأنانية؟
التعاون بطبيعته يكون مهدَّدًا دائمًا وأبدًا من الأنانيةWahl, Lindi M., and Martin A. Nowak. "The continuous Prisoner's Dilemma: I. Linear reactive strategies." Journal of Theoretical Biology 200.3 (1999): 307-321.https://doi.org/10.1006/jtbi.1999.0996 (6)،Henriques, Gil JB, and Matthew M. Osmond. "Cooperation can promote rescue or lead to evolutionary suicide during environmental change." Evolution 74.7 (2020): 1255-1273.https://doi.org/10.1111/evo.14028 (7)؛ لأنَّ أيّ مقدار يمثِّل إسهامَ الفرد المتعاون وبذله في الموارد العامة لنفع مجتمعه، سيكون في مقابله إسهام بقيمة أقل يقدِّمها الفرد الأناني، وصولًا إلى من ينتفعون من المورد العامِّ من غير أي مساهمة.
ولا يمكن للطفرات العشوائية أن تتجنَّب عمدًا التوليفات الجينية التي تُنتج أفرادًا أنانيين يُسْهمون بقيم أقلَّ أو لا يُسْهمون على الإطلاق في الموارد العامة.
وإذا ما ظهر أفراد يحملون تلك الإستراتيجيات الأنانية فإنهم سرعان ما يهيمنون على العشيرة كلِّها؛ لأنهم ينتفعون من الموارد العامَّة من غير دفع تكلِفة التعاون، مما يعود عليهم برفع متوسط أرباحهم عن منافسيهم المتعاونين. وهذا يجعلهم أكثر صلاحية وكفاءة ويمنحهم أفضلية تطورية ودعمًا من الانتخاب الطبيعي.
وهذا يدفع التعاونَ نحو التَّآكل والانقراض، وينتهي الأمر بانهيار النظام نفسه، فيما يُعرف باسم «الانتحار التَّطوُّري» أو «مأساة الموارد المشتركة»، التي تعني أن التنافس حول الموارد لا يؤدّي -بالضرورة- إلى بقاء الأصلح وزوال الأقل صلاحية -كما هو متصوَّر من عمل الانتخاب الطبيعي- وإنما قد يؤدي كذلك إلى زوال المورد نفسه أو زوال جميع المتنافسين حوله.
ويؤكّد هذه النتائجَ قَدْرٌ كبيرٌ من الأبحاث النظرية والتجريبية في مجالات نظرية الألعاب والديناميكا التطورية البيئية J. Rankin, Daniel, and Andrés López‐Sepulcre. "Can adaptation lead to extinction?" Oikos 111.3 (2005): 616-619.https://doi.org/10.1111/j.1600-0706.2005.14541.x (8)،Parvinen, Kalle. "Evolutionary suicide." Acta biotheoretica 53.3 (2005): 241-264.https://link.springer.com/article/10.1007/s10441-005-2531-5 (9).
ما معضلة التعاون؟
معضلة التعاون هي سؤال علمي في علم الأحياء التَّطوُّري يتعلَّق بكيفية بقاء السلوك التعاوني وانتشاره معَ أنَّ الأفراد الأنانيين يمكنهم استغلال التعاون دون أن يُسْهِموا فيه.
وتنشأ هذه المعضلة لأن التعاون يظهر بكثرة في الطبيعة وفي المجتمعات البشرية، مع أنه يبدو مهدَّدًا دائمًا مِن قِبَل الأفراد الأنانيين الذين يستفيدون من جهود الآخرين من غير أن يتحملوا تكلِفتها. ووَفق التفسير الدارويني القائم على الانتخاب الطبيعي، يفترض أن السلوك الأناني يمنح صاحبه ميزة بقاء أكبر، مما يجعله ينتشر على حساب السلوك التعاوني.
ولهذا يطرح العلماء سؤالًا أساسيًّا: إذا كان الأنانيون قادرين على استغلال المتعاونين، فلماذا لم يختفِ التعاون مع الزمن؟ وكيف استطاع أن يصمد ويستمر معَ هذه الهجمات المستمرة من السلوك الأناني؟ وقد أصبح هذا السؤال يُعرف في الأدبيات العلمية باسم «معضلة التعاون».
وقد أدرك داروين خطورة معضلة التعاون وقال عنها في كتابه أصل الأنواعHerbers, Joan M. "Darwin's ‘one special difficulty’: celebrating Darwin 200." Biology letters 5.2 (2009): 214 217.https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2665839/#!po=1.08696 (10):
«سوف أقتصر على مشكلة خاصة واحدة، التي بدت لي في أول الأمر كأنها لا يمكن التغلب عليها، وأنها في الواقع قاتلة لنظريتي بأكملها».
وما زالت إلى يومنا هذا معضلة التعاون قاتلة لنظرية التطور، تمامًا كما بدت لداروين في أول الأمر، معَ أنه ظن بعد ذلك أنه تجاوزها، لكنه في الحقيقة لم يفعل.
السؤال الأهم في البيولوجيا: كيف استمر التعاون وكيف صمد في مواجهة الأنانيين؟
هذا هو السؤال الأهم في البيولوجيا كما قال (اللورد روبرت ماي) في خطابه الرئاسي الأخير إلى الجمعية الملكية عام 2005، إذ وضَّح أهمية سؤال معضلة التعاون، وأنها ما زالت مشكلة غير محلولةColman, Andrew M. "The puzzle of cooperation." (2006): 744-745https://www.nature.com/articles/440744b (11):
«السؤال الأكثر أهمية، الذي لم تتم الإجابة عليه في علم الأحياء التَّطوُّري، وبشكل عام في العلوم الاجتماعية، هو كيف نشأ السلوك التعاوني؟ وكيف يمكن الحفاظ عليه في مجموعات ومجتمعات الإنسان أو الحيوانات الأخرى؟ أعني: أنه للوهلة الأولى قد يبدو من الواضح أن حيوان المرموط عندما يصدر نداء إنذار، فرغم أنه يتكبَّد تكلِفة بسيطة فإنَّه يربح فائدة جماعية لجميع نداءات إنذار المرموط الأخرى في وقت آخر، هذا من الواضح أنه سلوك تكيُّفي يشجعه التطور، لكن إذا ما قام أحد أفراد المرموط بالغش فإنه سيظل يأخذ الفوائد بدون أن يصدر نداء الإنذار، فهذه مشكلة لا تزال غير محلولة».
تكمن صعوبة هذا السؤال -الذي طرحه (ماي) وغيرُه- في أنّه لا يوجَدُ حَلٌّ عامٌّ لمعضلة التعاون يعصِم التَّعاون من هجَماتِ الأنانيّة المدمِّرة، وفي ظِلِّ غِيابِ هذا الحلِّ العامِّ فلن يظهر تفسيرٌ من داخل الإطار الدارويني لاستمرار التعاون، وعليه فلن يوجد تفسير لاستمرار النظام البيولوجي والحياة كلها.
ولذلك ظهر عمل حثيث على مدار العقود الماضية لاقتراح آليات إضافية تحل هذه المعضلة، وإن كانت حلولًا جزئية تعمل في سياقات مقيدة ومشروطة، بعد أن تبيّن عدم وجود حلٍّ عام لها. وفي هذا السياق، يستشهد (ريجيس) و(ليجيندر) بملاحظة (هالدين) التي تعود إلى عام 1932م: فيقولان: «مبكِّرًا منذ عام 1932 أشار (جيه بي إس هالدين) إلى أنه لا يوجد مبدأ عامٌّ يمنع التَّطوُّر التَّكيُّفي للفرد من الإضرار بأداء المجتمع»Ferriere, Regis, and Stéphane Legendre. "Eco-evolutionary feedbacks, adaptive dynamics and evolutionary rescue theory." Philosophical Transactions of the Royal Society B: Biological Sciences 368.1610 (2013): 20120081https://royalsocietypublishing.org/doi/full/10.1098/rstb.2012.0081#ref-list-1 (12).
ما آليات كبح الأنانية في النظرية الداروينية؟
توجد خمسُ آلياتِ كبحٍ إضافيةٍ مهمّةNowak, Martin A. "Five rules for the evolution of cooperation." science 314.5805 (2006): 1560-1563https://www.science.org/doi/10.1126/science.1133755 (13)، غير أنه يمكن اختصارها في أربع آليات فقط، وذلك بدمج آليّتَي العقاب المباشر وغير المباشر في آليةٍ واحدةٍ مجملة، هي آلية العقاب.
آليات كبح الأنانية هي:
انتخاب الأقارب:
وهي الرؤية التي تجعل الانتخاب الطبيعي يعمل على مستوى الجينات، وقد تسبب كتاب الجين الأناني لـ(ريتشارد دوكينز) في شهرتها على نطاق جماهيري واسع.
فمثلًا إذا شاهد أحد أفراد حيوان المرموط نسرًا أو صقرًا أو أي مفترس يقترب من مجموعته فإنه يُطلق صيحة لإنذار باقي أفراد المجموعة؛ لكي يهربوا، وهذا عمل تعاوني؛ لأنه يفيد مجتمعه، ويدفع هو التَّكلِفة؛ إذ إنه بتلك الصيحة يجذب انتباه المفترس إليه فيجعل احتمال افتراسه أكبر من احتمال افتراس غيره.
والسؤال الآن هو إذا كان المتعاونون من أصحاب هذا السلوك سيُفترَسون مبكِّرًا في كل المجموعات فهل يمكن أن يستمر وجود هذا السلوك أم سيبقى فقط الأنانيون الذين ينتفعون بهذه الصيحات ولا يبادرون بأداء هذا الدور؟
الواقع يقول: إن هذا السلوك التعاوني ما زال مستمرًّا وهذا أمر يحتاج إلى تفسير.
فتأتي آلية انتخاب الأقارب لتفسِّر ذلك بتخطي الفرد والنظر إلى ذلك السُّلوك على مستوى الجينات المسبِّبة له، وأنها عندما تدفع الفرد المتعاون لإطلاق تلك الصيحة تحصل بذلك فرصة أفضل للاستمرار، لكن ليس بذلك الفرد نفسه، وإنما بأقاربه الذين يكونون دائمًا حوله وينتفعون بهذه الصيحات.
ولأنهم أقاربه فاحتمال وجود نفس هذه الجينات فيهم كبير، فكأن الجين ضحَّى بفرد يحمل نسخة واحدة منه لإنقاذ باقي النسخ في الأقارب، وكأن حيوان المرموط مجرَّد وسيلة مواصلات للجين يضحي بأحدها من أجل إكمال مسيرته.
انتخاب المجموعة (متعدد المستويات):
لا يوجد فرق كبير بينه وبين انتخاب الأقارب، فنتائجهما متطابقة رياضيًّا، لكن الرؤية هنا مختلفة، فالنظر لعمل الانتخاب الطبيعي يكون باعتبار أنه يعمل على مستوى المجموعة لا الفرد ولا الجين.
بمعنى أن المجموعة التي يكون بها أفراد مرموط متعاونون ستبقى؛ لأنها تستطيع الصمود أمام المفترسين، أما المجموعة التي تخلو من المتعاونين فستموت سريعًا؛ لأنها تفتقد التنبيهات، مما يعرضها للافتراس بسهولة.
البنية المكانية:
وهو وجود مجموعات منفصلة للمتعاونين ومجموعات منفصلة للأنانيين، مما يجعل الأولى تبقى والأخيرة تفنى، مثل فكرة انتخاب المجموعة، لكن بقاء المتعاونين هنا ليس فقط لأنهم هربوا من تهديد المفترسين، ولكن لأنهم انعزلوا أيضًا عن الأنانيين.
فالاختلاط مع الأنانيين يمثِّل نفس تهديد افتراس المفترسين؛ لأن الفرد الأناني يكون دائمًا أكثر كفاءة من الفرد المتعاون، فهو لا ينفق طاقته ووقته في مراقبة المفترسين وإطلاق الصيحات وسائر أنواع السلوك التعاونية المكلفة، وإنما ينفقها في الأكل والتكاثر، مما يجعله أكثر إنجابًا للذرية وأكثر استحواذًا على الموارد من المتعاون، مما يدفع المتعاونين للانقراض داخل المجموعة مع الوقت.
فالبنية المكانية هي الوسيلة التي تعزل المتعاون عن الأناني وتقلل من تفاعلهما معًا.
العقاب:
العقاب يقصد به معاقبة الأناني لمنع انتشار سلوكه داخل المجموعة، وهذا العقاب له تكلِفة مراقبة وتكلِفة تنفيذ العقاب. وهذا العقاب له أشكال كثيرة، قد تكون بالحرمان من حصة الغذاء، أو بإخراج الأناني من القطيع، أو بقتله أحيانًا.
وكما هو واضح فجميع هذه الآليات الجزئية لكبح الأنانية تعمل ضمن سياق وظروف مقيدة، مما يتيح فرصة لاختراق تلك الظروف والتلاعب بها، وهذا ما نفذته بالفعل إستراتيجيات الأنانية المشروطة.
ما إستراتيجيات الأنانية المشروطة وكيف تخترق آليات الكبح؟
إستراتيجيات الأنانية المشروطة يقصد بها فئة من الإستراتيجيات الأنانية التي يمكنها التعاون أحيانًا، لكن بعد إضافة شرط ما لتعاونها، وهذا الشرط يمكنها من التلاعب بآليات الكبح واختراقها.
فهي أنانية غير صريحة، ويمكن لصاحبها أن يتعاون فقط لتمرير أنانيته، فيقلل من أرباحه، أو يدفع رشوة حتى يهرب من المراقبة والعقاب وانتخاب الأقارب.
أو يتعاون في دفع تكاليف الهجرة حتى يغزو مستعمرات المتعاونين، ويخترق آلية البنية المكانية وانتخاب المجموعة، تمامًا كأن يقوم غرباء لا يعرف بعضهم بعضًا باستئجار حافلة تُقِلُّهم إلى مكان ما فتَقِلُّ بذلك رسوم السفر التي يدفعها كل منهم لو كان استأجر سيارة خاصة. وهذا يمكن اعتباره تآلفًا مؤقَّتًا لغرض ما.
ومؤخَّرًا نُشرت ورقة علمية تستعرض بعض إستراتيجيات الأنانية المشروطة التي يمكنها بسهولة اختراق آليات الكبح الخمس المُعوَّل عليها من قِبَل الداروينيين وقد جاء فيهاIbrahim, Ahmed M. "The conditional defector strategies can violate the most crucial supporting mechanisms of cooperation." Scientific Reports 12.1 (2022): 15157.https://www.nature.com/articles/s41598-022-18797-2الحمد لله الذي أكرمني بعظيم فضله، ومكّنني من نشر هذه الورقة العلمية الفارقة في إحدى الدوريات العلمية الكبرى التابعة لمجموعة نيتشر الشهيرة، وذلك بعد دراسةٍ معمّقة وعملٍ دؤوب على هذا المشروع البحثي امتدّ لما يقارب عشر سنوات. (14):
«إن الهيمنة المتكررة لإستراتيجيات الأنانية المشروطة في التَّجارِب الحاسوبية التي أجريناها تعلن فشل العديد من الآليات الراسخة والحاسمة المسؤولة عن تعزيز التعاون، مثل المعاملة بالمثل بين الأقارب والعقاب والتركيب المكاني. لذلك، يمكن القول: إن الحفاظ على التعاون قد يكون أصعب بكثير مما كان يعتقد سابقًا».
والأمر الأهم من اختراق هذه الآليات الخمس تحديدًا، هو إثبات عدم وجود آلية كبح جزئية معصومة من الاختراق في العموم؛ وذلك لأن الأنانية المشروطة ليست نمطًا ثابتًا، وإنما فئة مفتوحة يمكنها أن تضمَّ كلَّ ما يمكن صياغته من شروط لاختراق آلية كبح محدَّدة.
فما دامت آلية كبح تعمل وَفق قيود معينة وسياق محدَّد، فستظل الفرصة متاحة لإضافة شرط يتلاعب بهذه القيود، مما يجعلها دائمًا عرضة للاختراق من قِبَل إستراتيجية أنانية مشروطة مناسبة. وهذا الأمر لازم لآليات الكبح بنيويًّا بصرف النظر عن خصائص كل آلية منها على حدة.
لكن لعلَّ قائلًا يقول: «ربما لا توجد آليات كبح تمنع الأنانية المشروطة من تدمير كل شيء. لكن مع ذلك فقد يكون ظهور الأنانية المشروطة نفسه أمرًا نادرًا، ولذلك بقي التعاون».
وهذا نقول له لا يمكن افتراض غياب الأنانية المشروطة عن مجتمعات تحركها ديناميكية تطورية (الطفرات/الانتخاب)؛ لأن التعاون والأنانية صفات كمِّيَّة، بمعنى أنها صفات يمكن تقسيمها لدرجات مثلما ذكرنا في قيمة الإسهام في المورد العام، فبصرف النظر عن القيمة التي تفترضها لذلك الإسهام، ستظهر دائمًا قِيَمٌ أقلُّ منها وصولًا لعدم الإسهام، رغم الانتفاع من المورد العام. «كما بينا ذلك سابقًا في قسم: كيف تنحاز آليات التطور للأنانية؟».
وعلى ما سبق فظهور الأنانيين تلقائيًّا يُعَدُّ تحصيل حاصل؛ لأنه أحد المخرَجات الديناميكية التطورية للنظام الذي تحركه (الطفرات/الانتخاب)، ولا علاقة لهذا الأمر بتخمين الاحتمالات وحسابها، ولذلك تنجح إستراتيجيات الأنانية المشروطة ديناميكيًا في اختراق آليات الكبح الخمس، سواء أكانت النماذج حتمية أم عشوائية.
هل يمكن لنظرية التَّطوُّر تفسير استمرار التعاون عبر مليارات السنين؟
يواجه تفسير استمرار التعاون عبر مليارات السنين تحدِّيًا كبيرًا داخل الإطار الدارويني؛ لأن السلوك الأناني يمتلك – من حيث المبدأ – قدرة دائمة على استغلال المتعاونين وتقويض تعاونهم.
فإذا كان التعاون منتشرًا في الطبيعة ومهدَّدًا باستمرار من قِبَل الأنانيين الذين يستفيدون من جهود الآخرين من غير أن يشاركوا فيها، فإن بقاءه واستمراره في مُدَدٍ زمنية طويلة يتطلَّب وجود آليات تحميه من هذا الاستغلال.
أما افتراض أن التعاون استطاع الصمود مليارات السنين أمام جميع أشكال الأنانية دون وجود مثل هذه الآليات، فيشبه افتراض بقاء قصر رملي صامدًا أمام أمواج عاتية لمليارات السنين من غير أي بنية تحفظه من التآكل، وهو أمر غير ممكن في قوانين الطبيعة.
لماذا تُعدُّ معضلة التعاون مشكلة قاتلة لنظرية التطور؟
تُعد معضلة التعاون تحدِّيًا جوهريًّا لنظرية التطوُّر؛ لأنَّ الانتخاب الطبيعي يفترض تعزيز أنواع السُّلوك التي تزيد الربح الفردي، أمَّا التعاون فيقتضي تحمُّل كلفة لصالح الآخرين.
فالتعاون بطبيعته يمنح الأنانيين فرصة للاستفادة من جهود المتعاونين من غير أن يشاركوا في تكلِفتها، مما يمنح السلوك الأناني ميزة تنافسية. ومع غياب آلية عامة أو حتى جزئية تمنع هيمنة الأنانية المشروطة، يصبح استمرار التعاون في مُدَدٍ زمنية طويلة أمرًا غير قابل للتفسير داخل الإطار الدارويني، مما يخلق توتُّرًا بنيويًّا بين النظرية والواقع المرصود.
كيف تُعدُّ معضلة التعاون برهانًا بالخلف على وجود الخالق؟
تُعد معضلة التعاون برهانًا بالخلف إذا كان استمرار التعاون في الواقع يتعارض مع ما تقتضيه الآليات الداروينية من هيمنة السُّلوك الأناني المدمر للحياة.
فإذا كانت هذه الآليات تقود – بطبيعتها – إلى ظهور الأنانية المشروطة وهيمنتها، وكان ذلك يؤدي في النهاية إلى انهيار التعاون وتدمير النظام البيولوجي الذي تقوم عليه الحياة، فإن استمرار الحياة والتعاون في الواقع يدلُّ على أن هذه الآليات لا تكفي لتفسير وجودهما واستمرارهما.
وبذلك يتحوَّل هذا التعارض إلى برهان بالخلف على أن الآليات الداروينية لا يمكنها تفسير وجود واستمرار الحياة.
وبذلك يقع الصدام والقطيعة بين نظرية التطور المنحازة تمامًا للصراع والأنانية المدمِّرة، وبين الواقع المنحاز تمامًا للتعاون المنتشر في كل مكان، مما يعني أن تلك النظرية لا يمكنها أبدًا تفسير هذا الواقع.
الاستنتاج الغائي:
منع تحقُّق احتمالات الأنانية المدمِّرة الممكنة، التي كان تحقُّقها سيدمر النظام البيولوجي، هو آية ظاهرة على القصد والتدبير والغاية والعناية، فلا بُدَّ من وجودِ خالقٍ أراد منع ظهورها بالقدر الذي يسمح للحياة بالوجود والاستمرار.
برهان معضلة التعاون:
(أ) المقدمة البنيوية:
كل نظام معقَّد يحتاج إلى شروط بنيوية (هيكلية) ضرورية لقيامه واستمراره.
(ب) معضلة التعاون:
النظم البيولوجية المعقدة (الجينات، الخلايا، الكائنات، النظم البيئية) تعتمد بنيويًّا على التعاون للبقاء والاستمرار، وكل نظام تعاوني يكون بطبيعته عرضة للاستغلال من إستراتيجيات أنانية تحقق ربحًا فرديًّا أعلى بتقليل إسهامها في الموارد العامة.
الطَّفَّرات تولِّد تنوعًا سلوكيًّا يشمل الأنانية، وفي غياب آليات كبح إضافية يُرجِّح الانتخابُ الطبيعيُّ هذه الإستراتيجيات الأنانية، مما يدفع التعاون نحو التآكل والانقراض وينتهي بانهيار النظام نفسه (مأساة الموارد المشتركة).
(ج) حدود آليات كبح الأنانية:
توجد آليات كبح للأنانية فعالة في سياقات محدَّدة، ولا يمكن أن توجد آليات كبح عامة، لأن محرك التطور نفسه (الانتخاب الطبيعي) لا يعمل على حفظ النظام التعاونيِّ العامِّ، بل على تعظيم الأرباح الفردية الأنانية على المدى القصير.
آليات الكبح المعروفة (انتخاب الأقارب، انتخاب المجموعة، تعدُّد المستويات، العقاب، البنية المكانية) تظل مقيَّدة بسياقات وظروف محدَّدة، وتصبح قابلة للاختراق عندما تواجه إستراتيجيات أنانية مشروطة قادرة على التلاعب بظروف تلك الآليات.
الأنانية المشروطة ليست نمطًا ثابتًا، بل فئة مفتوحة تضمُّ كلَّ ما يمكن صياغته من شروط لاختراق آلية كبح محدَّدة. لذلك، ومن حيث المبدأ البنيوي، لا يمكن أن توجد آلية كبح محدودة معصومة من اختراق الأنانية المشروطة.
(د) التفسير الدارويني الطبيعاني:
ووفقًا لما سبق، يفترض الإطار الدارويني أن النظام التعاوني قد صمد لمليارات السنين في مواجهة فضاء مفتوح من احتمالات الانحراف الأناني المشروط الممكنة، من غير وجود آليات كبح غير قابلة للاختراق تضمن حمايته من الانهيار.
(هـ) البرهان بالخلف:
النظم التعاونية البيولوجية المعقَّدة موجودة ومستمرَّة فعليًّا منذ زمن بعيد.
وعليه، فإن الاكتفاء بالإطار الدارويني الطبيعاني يؤدي إلى تعارض بين قابلية الانهيار البنيوية المتوقَّعة داخل هذا الإطار، والصمود الفعلي المرصود في الواقع.
(و) الاستنتاج الغائي:
ومن ثَمَّ، يصبح افتراض وجود سبب غائي حافظ للشروط البنيوية الضرورية لقيام النظام هو ضرورة تفسيرية. وهذه الغائية -بوصفها قصدًا موجَّهًا نحو كبح الأنانية المدمِّرة وحفظ النظام- لا يمكن اختزالها إلى آليات عشوائية غير واعية، بل تستلزم فاعلًا عليمًا حكيمًا مريدًا متعاليًا على الطبيعة، وهو الخالق سبحانه وتعالى.
الخاتمة:
برهان النظم أو الإتقان والإحكام هو من أقوى وأوضح البراهين على وجود الخالق وعلمه وحكمته وعنايته، وهو برهان تحيط بنا شواهده من كل اتجاه، ثم التحق به برهان معضلة التعاون لا ليؤسس لوجود النظم ابتداءً، ولكن ليدفع الاعتراض المعاصر الأهم وهو نظرية التطور الداروينية، وهو ينجح في ذلك ببراعة ويسدِّد طعنة قاتلة للداروينية، ويستخدم في ذلك الآليات الداروينية نفسها لينفذ عملية هدم ذاتي داخل النظرية، وذلك بما يأتي:
تحويل آلية الطفرات من سبب لظهور الصفات الجديدة، إلى مولِّد لا يتوقف عن إنتاج الأنانيين المدمرين.
تحويل آلية الانتخاب الطبيعي من قوة رافعة لكفاءة الأفراد، إلى قوة داعمة لأنانيين مدمِّرين يدفعون النظام بأكمله نحو حافَة الانهيار.
تحويل مليارات السنين من شماعة سحريَّة عند الداروينيين يعلقون عليها كل فرضياتهم غير المعقولة، إلى ساحة كبيرة لمواجهة الأنانيين مع المتعاونين مما يقضي على كل أمل في تجنُّب تلك المواجهات.
وهذا كله يؤدي إلى استنتاج عدم الكفاية التفسيرية لنظرية التطور، بشكل منطقي متماسك لا يتعلق بالتخمينات وحساب الاحتمالات، وإنما يتعلق بأسباب تعود إلى بنية الآليات الداروينية الطبيعانية نفسها وهيكلها، فلا يتوسَّل بمجهول ولا يعتمد على ثغرات الجهل، ولا يظهر مسوِّغ لانتظار حلول مستقبلية يتعلق بها الداروينيون.
الخلاصة:
تفشل نظرية التطور الداروينية في تفسير صمود التعاون بسبب انحياز آلياتها البنيوي للأنانية، بينما يدل وجود التعاون المستقر في كل مستويات الحياة على تدخل غائي كضرورة تفسيرية لوجود واستمرار النظام، وهو ما يجدد برهان النظم ويؤكد ضرورة وجود خالق عليم مريد.








