عنوان الخطبة: المؤمن بين الخوف والرجاء (رغبًا ورهبًا)
عناصر الخطبة:
١- الخوف والرَّجاء حال الأنبياء والصالحين
٢- كيف نجمع بين الخوف والرَّجاء؟
٣- الخوف لا القُنوط، والرَّجاء لا الغرور
الحَمدُ لِلَّهِ غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوبِ شَدِيدِ العِقَابِ ذِي الطَّولِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيهِ المَصِيرُ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا.
أمّا بعدُ، فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التَّقوى، وراقبوهُ في السِّرِّ والنَّجوى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .
عبادَ اللهِ:
قَالَ النَّبيُّ ﷺ: «عَجِبَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ، مِنْ بَيْنِ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ رَبُّنَا: أَيَا مَلَائِكَتِي، انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ مِنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ، مِنْ بَيْنَ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي، وَرَجُلٍ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَانْهَزَمُوا، فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْفِرَارِ، وَمَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ حَتَّى أُهَرِيقَ دَمُهُ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَرَهْبَةً مِمَّا عِنْدِي، حَتَّى أُهَرِيقَ دَمُهُ»مسند أحمد (٣٩٤٩)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٧/١٣٩٩) (١).
«رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَرَهْبَةً مِمَّا عِنْدِي»، إِنَّهُمَا كَالجَنَاحَينِ لِلطَّائِرِ، يَفِرُّ بِهِمَا العَبدُ إِلَى رَبِّهِ وَمَولَاهُ: الخَوفُ وَالرَّجَاءُ.
الرَّجَاءُ: هُوَ الرَّغبَةُ فِي خَيرٍ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ وَالطَّمَعُ فِيهِ، وَهُوَ مَا لَا يَملِكُهُ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ، فَإِلَيهِ الرَّغبَةُ وَمِنهُ وَحدَهُ الرَّجَاءُ، وَالخَوفُ: وَجَلُ القَلبِ وَإِشفَاقُهُ وَرَهبَتُهُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ، وَحَذَرُ العَبدِ مِن عِقَابِهِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ.
ذَاكُمْ هُوَ حَالُ الأَنبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، يَعبُدُونَ رَبَّهُم رَاجِينَ رَحمَتَهُ وَخَائِفِينَ مِن عَذَابِهِ، كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ عَنِ المَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَسَادَاتِ الأَولِيَاءِ الَّذِينَ دَعَاهُمُ النَّاسُ دُونَ اللَّهِ: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء: ٥٦-٥٧].
وَأَثنَى سُبحَانَهُ عَلَى زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلَامُ وَأَهلِهِ فِي جَمعِهِم بَينَ الرَّغبَةِ وَالرَّهبَةِ: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء: ٩٠].
وَهَذَا حَالُ كلِّ عَالمٍ بِربِّه وَمَولَاهُ، كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر: ٩].
وَلِذَا أَمَرَنَا اللَّهُ أَن نَعبُدَهُ خَوفًا مِن عِقَابِهِ، وَطَمَعًا فِي رَحمَتِهِ وَثَوَابِهِ، فَقَالَ: وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦].
وَلَعَلَّكَ تَسأَلُ: وَكَيفَ أَجمَعُ فِي قَلبِي الخَوفَ مِنَ اللَّهِ وَالرَّجَاءَ لَهُ؟
إِنَّ سَبِيلَ ذَلِكَ مَعرِفَةُ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ، فَإِنَّ اللَّهَ عَرَّفَنَا نَفسَهُ فِي كِتَابِهِ، فَكَانَ يَجمَعُ بَينَ ذِكرِ رَحمَتِهِ وَعَفوِهِ، وَذِكرِ عَذَابِهِ وَعِقَابِهِ، فَإِذَا عَلِمَ القَلبُ عَظِيمَ عَفوِهِ وَسَعَةَ رَحمَتِهِ، رَجَاهُ وَرَغِبَ فِي فَضلِهِ وَحدَهُ، وَإِذَا عَلِمَ القَلبُ شِدَّةَ عَذَابِهِ وَسَرِيعَ عِقَابِهِ خَشِيَ رَبَّهُ وَخَافَهُ.
أَما قالَ اللَّهُ: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر: ٤٩-٥٠]؟
وَقَالَ تَعَالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ [الرعد: ٦].
وَقَالَ سُبحَانَهُ: إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الأعراف: ١٦٧].
وَلَمَّا كَانَ العِلمُ بِاللَّهِ أَصلَ العُبُودِيَّةِ وَبَاعِثَهَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَومًا لِأَصحَابِهِ: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً»صحيح البخاري (٦١٠١)، وصحيح مسلم (٢٣٥٦)، من حديث عائشة رضي الله عنه. (٢).
وقَالَ ﷺ: «إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ»جامع الترمذي (٢٣١٢)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٧٢٢). (٣).
فَرَبُّنَا هُوَ الرَّحمَنُ الرَّحِيمُ، وَسِعَت رَحمَتُهُ كُلَّ شَيءٍ، سَبَقَت رَحمَتُهُ غَضَبَهُ، العَفُوُّ يُحِبُّ العَفوَ، الغَفُورُ يَغفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، الغَنِيُّ الكَرِيمُ الأَكرَمُ، يَرزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ، البَرُّ الجَوَادُ المُحسِنُ الوَاسِعُ، يَدُهُ سَحَّاءُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ، الوَهَّابُ يَهَبُ قَبلَ السُّؤَالِ وَفَوقَ السُّؤَالِ، القَرِيبُ المُجِيبُ يَستَحيِي أَن يَرفَعَ العَبدُ إِلَيهِ يَدَهُ فَيَرُدَّهُمَا صِفرًا خَائِبَتَينِ، التَّوَّابُ يَبسُطُ يَدَهُ بِاللَّيلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيلِ، رَحمانُ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ وَرَحِيمُهُمَا.
وَهُوَ سُبحَانَهُ مَعَ عَظِيمِ حِلمِهِ يَغضَبُ وَيَنتَقِمُ، وَمَعَ أَنَّهُ يَرضَى فَإِنَّهُ يَسخَطُ، وَمَعَ أَنَّهُ يَعفُو فَإِنَّهُ يُعَاقِبُ، وَكَمَا أَنَّهُ خَلَقَ الجَنَّةَ يَرحَمُ بِهَا عِبَادَهُ المُؤمِنِينَ، خَلَقَ النَّارَ يُعَذِّبُ بِهَا الكَافِرِينَ وَالمُجرِمِينَ، وَعَذَابُهُ عَظِيمٌ أَلِيمٌ شَدِيدٌ مُهِينٌ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ»صحيح البخاري (٣١٧٥)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٦٢). (٤).
وَقَالَ ﷺ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ، مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ»صحيح مسلم (٢٧٥٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٥).
فَكُلُّ مَن كَانَ بِاللَّهِ أَعلَمَ وَأَعرَفَ، كَانَ لِرَحمَتِهِ أَرجَى، وَمِن عَذَابِهِ أَخشَى، وَمِنهُ أَخوَفَ، وَلَهُ أَتقَى، فَهُوَ كَمَا قَالَ عَن نَفسِهِ: هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ [المدثر: ٥٦].
وَلَقَد كَانَ سَيِّدُ المُتَّقِينَ ﷺ يَدعُو رَبَّهُ فَيَقُولُ: «اللهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»صحيح مسلم (٤٨٦)، من حديث عائشة رضي الله عنها. (٦).
إخوةَ الإسلامِ:
الرَّجَاءُ فِي اللَّهِ مِن آثَارِ الإِيمَانِ بِهِ وَبِعَظِيمِ فَضلِهِ وَكَرِيمِ ثَوَابِهِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَالمَحمُودُ مِنَ الرَّجَاءِ مَا صَاحَبَهُ الخَوفُ وَحَمَلَ العَبدَ عَلَى الطَّاعَةِ، طَمَعًا فِي فَضلِ اللَّهِ وَثَوَابِهِ، أَمَّا مَن رَكَنَ إِلَى عَفوِ اللَّهِ وَرَحمَتِهِ وَفَضلِهِ، وَلَم يَعمَلِ الصَّالِحَاتِ وَأَصَرَّ عَلَى الفَوَاحِشِ وَالمُنكَرَاتِ، وَأَمِنَ العُقُوبَةَ، فَهُوَ مَغرُورٌ بِالأَمَانِيِّ الكَاذِبَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: ٢١٨].
وَالخَوفُ مِنَ اللَّهِ وَخَشيَتُهُ مِن آثَارِ الإِيمَانِ بِجَلَالِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ، وَشُهُودِهِ وَعَظِيمِ عِلمِهِ بِقَلبِ العَبدِ وَعَمَلِهِ، مَعَ العِلمِ بِتَفَاصِيلِ الأَمرِ وَالنَّهيِ، وَالعِلمِ بِعَدلِ اللَّهِ وَبِالوَعِيدِ الَّذِي تَوَعَّدَ اللَّهُ بِهِ العُصَاةَ وَمَا حَلَّ بِالأُمَمِ مِن عُقُوبَةٍ وَنَكَالٍ، فَتَحمِلُهُ خَشيَتُهُ لِرَبِّهِ عَلَى تَعظِيمِهِ وَتَوقِيرِهِ وَالِانتِهَاءِ عَن عِصيَانِهِ، فَهَذَا الخَوفُ المَحمُودُ، دُونَ القُنُوطِ مِن رَحمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ سُبحَانَهُ: إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: ٨٧].
وَهَذِهِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنهَا تَسأَلُ النَّبِيَّ ﷺ عَن هَذِهِ الآيَةِ: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون: ٦٠] فقَالَت: أَهُمُ الَّذِينَ يَشرَبُونَ الخَمرَ وَيَسرِقُونَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُم يَخَافُونَ أَن لَا تُقبَلَ مِنهُم أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ»جامع الترمذي (٩٨٣)، من حديث أنس رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٠٥١). (٧).
وَكَذَلِكَ حَالُ العَبدِ؛ إِن وَقَعَ مِنهُ الذَّنبُ حَمَلَهُ الخَوفُ مِن رَبِّهِ وَأَنَّهُ يَأخُذُ بِالذَّنبِ؛ عَلَى التَّوبَةِ وَالنَّدَمِ، وَحَمَلَهُ الرَّجَاءُ عَلَى أَلَّا يَقنَطَ مِن رَحمَةِ اللَّهِ.
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ، فِيمَا يَحكِي عَن رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: «إِنَّ عَبدًا أَصَابَ ذَنبًا، فَقَالَ: رَبِّ أَذنَبتُ فَاغفِر لِي، فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغفِرُ الذَّنبَ وَيَأخُذُ بِهِ؟ غَفَرتُ لِعَبدِي...»صحيح البخاري (٧٥٠٧)، وصحيح مسلم (٢٧٥٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٨).
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَأَستَغفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُم فَاستَغفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبةُ الثانيةُ
الحَمدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن وَالَاهُ، وَبَعدُ:
عبادَ اللهِ:
اللَّهُ هُوَ أَمَانُ الخَائِفِينَ، وَأَمَلُ الرَّاجِينَ، فَمَن عَبَدَهُ بِالخَوفِ وَالرَّجَاءِ، وَكَانَ رَاغِبًا فِي رَحمَةِ اللَّهِ طَامِعًا فِي فَضلِهِ، وَجِلًا مُشفِقًا مِن عَذَابِهِ وَعِقَابِهِ، أَمَّنَهُ اللَّهُ مِن مَخَاوِفِهِ، وَأَثَابَهُ جَنَّتَهُ وَرِضوَانَهُ.
لَقَد دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي المَوتِ، فَقَالَ: «كَيْفَ تَجِدُكَ؟»، قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَرجُو اللَّهَ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو، وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ»جامع الترمذي (٩٨٣)، من حديث أنس رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٠٥١). (٩).
المُسلِمُ يُعَظِّمُ رَبَّهُ وَيَخشَاهُ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَرجُوهُ وَيَطمَعُ فِيهِ، وَالأَمرَانِ يَجمَعَانِ حُسنَ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ وَمَولَاهُ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ»صحيح مسلم (٢٧٨٨)، من حديث جابر رضي الله عنه. (١٠).
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ ظَنًّا جَمِيلًا بِكَ، وَخَشيَةً تَحُولُ بَينَنَا وَبَينَ مَعصِيَتِكَ، وَرَجَاءً يَحدُونَا إِلَى طَاعَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا وَلَا تُعِن عَلَينَا، وَانصُرنَا وَلَا تَنصُر عَلَينَا، وَامكُر لَنَا وَلَا تَمكُر عَلَينَا، وَانصُرنَا عَلَى مَن بَغَى عَلَينَا.
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل وِلَايَتَنَا فِيمَن خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ.
اللهمّ كُن لإخوانِنا المستضعَفِين في غزّةَ وفي كلِّ مكَان، واكتُب لهُم نَصرًا وفرَجًا قريبًا.
عِبَادَ اللَّهِ: اُذكُرُوا اللَّهَ ذِكرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلًا، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.







