﷽
كيف تثبت معجزات الأنبياء وجود الله
المعجزات تدلّ على صدق النبوة، وتدل كذلك على وجود الله سبحانه وتعالى؛ لأنّ دلالة الآية المعجزة على صدق الرسول تتضمن من باب أولى دلالتها على الله الذي أرسله.
فالذي يجعل الآية المعجزة دالة على صدق النبي هو أنها ليست من جنس ما يقدر عليه المخلوق، وإنما يقدر عليها الخالق وحده سبحانه وتعالى.
وهناك العديد من الأخبار عن أمور مستقبلية أخبر بها الوحي، ثم وقعت كما أخبر بها؛ فعلى سبيل المثال:
قال النبي محمد ﷺ: «وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ»صحيح البخاري (447). (1) ولا يمكن لبشر أن يقول من نفسه خبرًا كهذا، ثم يقع الأمر كما أخبر به تمامًا، إلا إذا كان مؤيَّدًا بالوحي ممن عنده علم الغيب، والقادر على حفظ حياة عمار؛ فلا يموت من مرض، أو في قتال ضد المشركين مثلًا، حتى يأتي أجله، فيموت في قتال بين طائفتين من المسلمين، إحداهما باغية على الأخرى.
ومثل ذلك قوله ﷺ عن الحسن بن علي رضي الله عنهما: «إنَّ ابني هذا سَيِّدٌ، ولَعَلَّ اللهَ أن يُصلِحَ به بينَ فِئَتَينِ عَظيمَتَينِ مِنَ المُسلِمينَ»صحيح البخاري (2704). (2).
فمثل هذه الأخبار لا تكون توقُّعًا؛ لأنها تتعلق بأمور لا يمكن توقُّعها، ولا تكون كهانة؛ لأنها أخبار تتضمن معلومات واضحة ودقيقة، لا تستتر خلف ألغاز وطلاسم مبهمة، كما يفعل الكهّان، حين يتركون لكهانتهم مساحة واسعة من التأويلات التي يمكن أن تنطبق على أي شيء وكل شيء؛ فإذا وقع أي حادث، قالوا: هذا ما تكهَّنّا به من قبل.
قول الله عز وجل: غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ [الروم: 2-4]. فالآيات تحمل نبوءة حاسمة بأنَّ الروم سينتصرون على الفرس، وأنَّ ذلك سيقع خلال مدَّة محدَّدة تتراوح بين ثلاث وتسع سنوات. فلو لم يقع هذا الأمر، أو وقع قبل ذلك أو بعده، لكان تكذيبًا للنبوءة، غير قابلٍ للتأويل.
وقد كانت جميع المؤشِّرات في صالح الفرس الساسانيين ضدَّ الروم البيزنطيين؛ إذ كانت معركة أنطاكية عام 613م هزيمةً مدويةً للروم أدت إلى قطع الطريق البري الذي يربط القسطنطينية والأناضول بكلٍّ من سوريا وفلسطين ومصرCrawford, Peter (2013). The War of the Three Gods: Romans, Persians and the Rise of Islam. Pen and Sword. p. 41–43 (3). وهذه المعركة هي التي أشارت إليها الآيات الكريمة، ثم تبعتها سلسلة من الهزائم.
وبحلول عام 621م كان الروم قد خسروا سيطرتهم على سوريا وفلسطين ومصر وشرق الأناضول وكانت القسطنطينية تعاني من شحّ الموارد الغذائية وتدهور الأوضاع الاقتصاديةKaegi, Walter E. (2003). Heraclius: emperor of Byzantium. Cambridge University Press p 92. (4) وكان هرقل –إمبراطور الروم- يسعى إلى نقل العاصمة إلى قرطاج، فرارًا من الزحف الفارسي شرقًا وتهديدات الآفار والصقالبة شمالاًHaldon, John (1997). Byzantium in the Seventh Century: the Transformation of a Culture. Cambridge University Press p 42 (5).
ثم جاءت حملة هرقل التي قلبت موازين القوى لصالح الروم وكان أول انتصار يحققونه في منطقة قبادوقية عام 622مKaegi, Walter Emil (2003), Heraclius: Emperor of Byzantium, Cambridge University Press, ISBN 0521814596 p. 115, Oikonomidès, Nicolas. "A chronological note on the first Persian campaign of Heraclius (622)." Byzantine and Modern Greek Studies 1.1 (1975): 1-9.https://doi.org/10.1179/030701375790158275 (6)، أي بعد تسع سنوات من الهزيمة البيزنطية الكبرى في أنطاكية عام 613م.
وهذا التحول السريع من الهزيمة إلى النصر ضد الإمبراطورية الفارسية المهيمنة على العالم القديم لا يمكن توقعه من أحذق المراقبين السياسيين للمشهد فضلا عن تحديد موعده في مدة قصيرة لا تتعدى تسع سنوات.
قوله تعالى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ [المسد: 1-5].
نجد أنَّ القرآن تنبَّأ بأنَّ أبا لهب وزوجته سيعيشان ويموتان على الكفر، وقد كان ذلك؛ فلم يسلما، ولم يتظاهرا حتى بالإسلام، وقد دخل في الإسلام من كانوا من أشدِّ أعدائه، مثل: خالد بن الوليد، وصفوان بن أمية، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي سفيان بن حرب، وغيرهم.
فلا يقدر على الإخبار بمثل ذلك سوى الله سبحانه وتعالى، الذي يعلم الغيب ويملك قلوب العباد.
وغير ذلك الكثير من الأخبار الغيبية في القرآن والسنة، التي يتطلّب تحققها علماً بالغيب المستقبلي وقدرة على إنفاذ هذا الغيب، وهذه أوصاف لا يتصف بها أحد غير الخالق سبحانه وتعالى.
ولذلك استحسن شيخ الإسلام ابن تيمية الاستدلال بمعجزات الأنبياء على وجود الخالق، حيث قالدرء تعارض العقل والنقل (9/43- 44). (7): «ففرعون كان منكرًا للصانع، مستفهماً عنه استفهام إنكار، سواء كان في الباطن مقرًّا به أو لم يكن، ثم طلب من موسى آيةً فأظهر آيته، ودل بها على إثبات إلهية ربه وإثبات نبوته جميعاً... ولهذا قال السحرة لما عارضوا معجزته بسحرهم، فبطلَ سحرهم، تبيَّن أن تلك آيةٌ لا يُقدِر عليها المخلوقين: قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون فكان إيمانهم بالله لمّا شاهدوا معجزة موسى ﷺ، فكانت المعجزة مبيِّنة للعلم بالصانِع وبصدق رسوله؛ وذلك أن الآيات التي يستدل بها على ثبوت الصانع تدل المعجزة كدلالتها وأعظم... وبالجملة فانقلاب العصا حية أمر يدل على ثبوت صانع قدير عليم حكيم، أعظمَ من دلالة ما أعيد من خلق الإنسان من نطفة، فإذا كان ذاك يدل بنفسه على إثبات الصانع، فهذا أولى».
وبمثل ذلك قال ابن القيم في كتابه الصواعق المرسلةالصواعق المرسلة (3/1197). (8): «وهذه الطريق من أقوى الطرق وأصحِّها وأدلِّها على الصَّانع وصفاته وأفعالِه، وارتباطُ أدلة هذه الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة العقلية الصريحة بمدلولاتها؛ فإنها جمعت بين دلالة الحس والعقل، ودلالتُها ضرورية بنفسها، ولهذا يسميها الله سبحانه آيات بينات، وليس في طرق الأدلة أوثق ولا أقوى منها، فإن انقلاب عصا تقلها اليد ثعبانا عظيما يبتلع ما يمر به، ثم يعود عصا كما كانت، من أدل الدليل على وجود الصانع وحياته وقدرته وإرادته وعلمه بالكليات والجزئيات وعلى رسالة الرسول وعلى المبدأ والمعاد فكل قواعد الدين في هذه العصا!».
ما هو الفرق بين المعجزة وخوارق العادات؟
خوارق العادات تختلف باختلاف علوم الناس وزمانهم؛ فقد يكون الشيء خارقاً لعادة قوم لكنه معتاد لآخرين، وقد تحصل خوارق العادات بطرق السحر والكهانة مما يدخل في قدرات الجن والشياطين.
أما آيات الأنبياء المعجزة فتحمل دلالة مباشرة على أن حصولها لا يقدر عليه إلا الخالق رب السماوات والأرض المتصف بكمال القدرة والعلم، وبذلك أصبحت دليلاً مستقلاً على إثبات وجود الخالق واتصافه بالقدرة والعلم والحكمة.
وقد قال ابن تيمية في بيان الفرق بين المعجزات وخوارق العاداتالنبوات لابن تيمية (1/ 559). (9): «الثامن: أن تلك ليست خارقة لعادات بني آدم، بل كل ضرب منها معتاد لطائفة غير الأنبياء. وأما آيات الأنبياء: فليست معتادة لغير الصادقين على الله، ولمن صدقهم. التاسع: أن هذه قد لا يقدر عليها مخلوق؛ لا الملائكة، ولا غيرهم؛ كإنزال القرآن، وتكليم موسى. وتلك تقدر عليها الجن والشياطين ».
وهذا الفارق الجوهريّ بين المعجزة وخرق العادة هو الذي حاجَّ به مُوسى عليه السلام فِرعَونَ، قال تعالى: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [الإسراء: 102].
فاستشهد موسى عليه السلام بأن فرعون قد علم أن الآيات التسع ما أنزلها إلا رب السماوات والأرض لتكون بصائر وحججاً واضحة، وفي ذلك إلزام له بالإيمان بوجود الخالق أولاً، ثم بصدق رسالة موسى ثانياً.
يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآيةتفسير ابن كثير (5/125). (10): «المراد بالتِّسع الآيات إنما هي ما تقدم ذكره من العصا، واليد، والسنين، ونقص من الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. التي فيها حجج وبراهين على فرعون وقومه، وخوارق ودلائل على صدق موسى ووجود الفاعل المختار الذي أرسله»
هل هناك تلازم بين وجود الخالق والنبوة؟
نعم، هناك تلازم منطقي بين وجود الخالق والنبوة؛ وبثبوت أحد الأمرين يثبت الآخر.
وهذا التلازم متحقق من عدة وجوه:
أن النبوة في الأصل هي وحي الخالق ورسالته إلينا، فلا يتصور فهم النبوة وإثباتها دون تصور وجود الخالق وإثباته. كما لا يتصور فهم رسالة بلا مُرسِل.
أن ثبوت النبوة يقتضي تصديق النبي في جميع ما أخبر به عن الخالق، لأن الخالق لا يصطفى لرسالته من يكذب عليه.
ثبوت وجود الخالق يستلزم ثبوت النبوة، وثبوت النبوة يستلزم ثبوت وجود الخالق؛ ومن ثم فإن إثبات أيٍّ منهما يستلزم إثبات الآخر.
وبيان ذلك كالتالي:
إن ثبوت وجود الخالق وصفات كماله له مقتضيات تستلزم إرسال الرسل، وتأييدهم، وفضح من ادعى النبوة كذبًا؛ فلا يليق بكمال الخالق وحكمته سبحانه أن يترك الناس سُدًى بلا رسالة، قال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: 91].
كما أنه عز وجل لا يترك من كذب عليه وادّعى النبوة دون أن يفضحه ويخذله، قال تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة: 44-46].
فعلمه وشهادته على الواقع أهم ضمانة لصدق النبوة، قال تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الأنعام: 19].
وهذا يؤكّد أن وجود الخالق مستلزم لإرسال الرسل وتأييدهم بالآيات البينات ونصرهم وتكذيب المتنبئين الدجالين.
وعلى الجانب الآخر، فإن آيات الأنبياء دالة على وجود الخالق لأنها معجزات لا يقدر على الإتيان بها أي مخلوق.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا التلازم في قوله تعالى: قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا [الفرقان: 6].
فتضمُّنُ القرآنِ لأخبارِ الغيب وأسرار السماوات والأرض يُثبتُ مصدرَه الربانيَّ، وفي ذلك إثباتٌ لوجود الخالق الذي أحاط بكل شيءٍ علمًا.
ومن وجهٍ آخر، فإن الخالقَ الذي يعلم السرَّ والجهرَ لن يترك مُدَّعيًا للنبوة يكذب عليه، وفي ذلك إثباتٌ لصدق النبي محمد ﷺ.
وبذلك تكون الآية قد جمعت بين الوجهين، وأشارت إلى تلازمِ وجودِ الخالقِ والنبوة.
وقد قال الشيخ ابن عثيمين في تفسير هذه الآيةتفسير سورة الفرقان كتاب التفسير لابن عثيمين (46). (11): «فنأخذ من قوله: الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ البُرهانَ القاطِعَ عَلَى أَنَّ هَذَا القُرْآن ليس من كَلام الرَّسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وليس أساطيرَ الأوَّلين؛ لِأَنَّ فيه إخبارًا عن أمورٍ مستقبَلةٍ تقع كما أخبر، ولا أظنّ أنَّ بشرًا يتمكَّن من ذلك، هَذَا وجهٌ بَيِّن جدًّا.
وجهٌ آخرُ يمكِن أن يؤخَذ، وهو أَنَّهُ إذا كان هَذا القُرْآن من عند مُحَمَّد ﷺ وينسُبه إلى اللَّهِ، ويجاهد به وعليه أيضًا، فإن اللَّه لا يمكِن أن يُقِرَّه على هَذَا الأمر؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى يعلَم السرَّ، وهذا الَّذِي فعله مُحَمَّد ﷺ على فرضِ أَنَّهُ ليس بصحيحٍ هل هو سرٌّ أو جهرٌ؟ هو جهرٌ، فإذا كان اللَّه يعلم السرَّ فَإِنَّهُ يعلم الجهرَ من باب أَولى، وإذا كان يعلم الجهرَ، ومُحَمَّد ﷺ يقول: إن هَذَا كَلام اللَّه، فإن اللَّه تَعَالَى لا يمكن أن يُهْمِلَه، ولكان اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يعاجله بالعقوبة».
كيف نعرف أن معجزات الأنبياء الحسية حدثت فعلًا؟
لم يشاهد أحدٌ منا معجزات الأنبياء الحسية التي وقعت في زمانهم. لكن مع ذلك، فقد سجّلت آثارُ الحضارات القديمة بعض الأحداث المتعلقة بمعجزات الأنبياء الحسية، مثل تدابير يوسف ﷺ لشؤون البلاد في وقت المجاعة، واستعباد الفراعنة لبني إسرائيل ثم مطاردتهم، إلى غير ذلك من الشواهد التاريخية.
كما سجّل القرآن والسنة المتواترة الكثير من الوقائع العامة التي شهدها جمعٌ غفير يستحيل تواطؤهم على الكذب، وقد تضمّنت معجزاتٍ حسيةً للنبي محمد ﷺ وللأنبياء من قبله، مثل تحوّل عصا موسى عليه السلام إلى ثعبان حقيقي ابتلع أحبال السحرة يوم الزينة، وشقّه البحر يوم خروج بني إسرائيل من مصر فرارًا من فرعون وجنوده، وإحياء عيسى عليه السلام للموتى، وإبرائه الأكمه والأبرص، وخلقه من الطين طيرًا بإذن الله، وحنين الجذع للنبي محمد ﷺ في صلاة الجمعة، ودعائه بإرسال المطر ثم إمساكه، ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة، وتكثير الطعام أمام الجيش، وانشقاق القمر أمام كفار قريش، وغير ذلك من الوقائع التي علم بها القاصي والداني، وشهد عليها الموافق
لماذا يُعَدُّ القرآن الكريم معجزة حية حتى يومنا هذا وإلى قيام الساعة؟
من تدبر القرآن علم أنه ليس من كلام البشر وإنما هو كلام الله عز وجل؛ فقد بلغ الغاية في البلاغة، وتحدى أساطين العرب فعجزوا عن معارضته والإتيان بسورة من مثله، ونبه على أقوى البراهين لتحصيل الإيمان، وقص أفضل القصص التي لا يُمل من تكرارها وأمر بأفضل العبادات لتزكية النفوس، وشرع ما فيه صلاح البلاد والعباد، وأخبر بأمور غيبية من الماضي والمستقبل لا يحيط بها علماً إلا الله، وشهدت بصدقه شواهد من العلوم التجريبية الحديثة والآثار التاريخية.
فالقرآن الكريم معجزة حاضرة ومحفوظة على مرِّ العصور، ومتاحٌ دائمًا لمن تدبَّره واهتدى بهديه، وليس أثرُه مختصًّا بزمانٍ أو مكانٍ بعينه، بخلاف سائر معجزات الأنبياء الحسية الأخرى.
خاتمة
عندما نذكر أدلة وجود الخالق يتبادر إلى أذهان كثير منا دليل الوجوب والإمكان أو الحدوث، وغالباً ما نغفل عن دليل أفضل منها جميعاً وهو معجزات الأنبياء التي تثبت وجود الخالق وصدق النبوة معاً.
ولأن القرآن الكريم من أعظم معجزات الأنبياء، فإن قراءته من هذا المنطلق لا يقتصر نفعها على المسلم المتعبد فحسب، بل يمتد إلى الملحد أو المتشكك الذي يبحث عن أدلة وجود الله.
فيا من تبحث عن الله: لا تغفل هذا الدليل الأبلج الذي يثبت الربوبية والنبوة من أقصر طريق؛ فإن في معجزات الأنبياء بصائر تنير القلوب، وبراهين تقطع أعذار المعاندين. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.







