عنوان الخطبة: تَطَايُرُ الصُّحُف
عناصر الخطبة:
١- عَظَمَةُ مَوْقِفِ تَطَايُرِ الصُّحُفِ يَومَ القِيَامَةِ
٢- مَا الصُّحُفُ وَمَا الذِي يُكْتَبُ فِيهَا؟
٣- الإيمانُ بِلِقَاءِ اللهِ وَأَثَرُه
الحَمدُ لِلَّهِ القَرِيبِ الرَّقِيبِ، الحَفِيظِ الحَسِيبِ، الَّذِي يُبدِئُ وَيُعِيدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَومِ الوَعِيدِ.
أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ حَقَّ التَّقوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجوَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .
عبادَ اللهِ:
فِي ذَاتِ يَومٍ سَأَلَت أُمُّنَا عَائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَت: «يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَل يَذكُرُ الحَبِيبُ حَبِيبَهُ يَومَ القِيَامَةِ؟»، قَالَ: «يَا عَائِشَةُ! أَمَّا عِنْدَ ثَلَاثٍ فَلَا، أَمَّا عِنْدَ الْمِيزَانِ؛ حَتَّى يَثْقُلَ أَوْ يَخِفَّ فَلَا، وَأَمَّا عِنْدَ تَطَايُرِ الْكُتُبِ؛ فَإِمَّا أَنْ يُعْطَى بِيَمِينِهِ أَوْ يُعْطَى بِشِمَالِهِ فَلَا، وَحِينَ يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنْ النَّارِ فَيَنْطَوِي عَلَيْهِمْ وَيَتَغَيَّظُ عَلَيْهِمْ وَيَقُولُ ذَلِكَ الْعُنُقُ: وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ، وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ؛ وُكِّلْتُ بِمَنْ ادَّعَى مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَوُكِّلْتُ بِمَنْ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ، وَوُكِّلْتُ بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ»، قَالَ: «فَيَنْطَوِي عَلَيْهِمْ وَيَرْمِي بِهِمْ فِي غَمَرَاتٍ جَهَنَّمَ» مسند أحمد (٢٤٧٩٣)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وإسناده حسن، وله شواهد. (١).
مَا أَعظَمَ أَهوَالَ يَومِ القِيَامَةِ! إِنَّهُ يَومُ الدِّينِ وَالحِسَابِ وَالجَزَاءِ، وَمِن أَعظَمِ أَهوَالِهِ الَّتِي يَنسَى فِيهَا الحَبِيبُ حَبِيبَهُ عِندَ تَطَايُرِ الصُّحُفِ. فَمَتَى يَكُونُ ذَلِكَ؟
يَقُولُ عَبدُ اللَّهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: «يُعْرَضُ النَّاسُ يَومَ القِيَامَةِ ثَلاثَ عَرَضَاتٍ، فَأَمَّا عَرْضَتَانِ، فَجِدَالٌ ومَعَاذِيرُ، وأَمَّا العَرْضَةُ الثَّالِثَةُ، فَتَطَايُرُ الكُتُبِ في الأَيْمَانِ والشَّمَائِل» البعث والنشور (٣٦٣)، من قول ابن مسعود رضي الله عنه، وحسنه ابن حجر في الفتح (١١/٤٠٣). (٢).
ثَلَاثُ عَرَضَاتٍ عَلَى رَبِّ الأَرضِ وَالسَّمَاوَاتِ، عَرْضَتَانِ يُجَادِلُ فِيهَما الإِنسَانُ رَبَّهُ ويَعتَذِرُ فِيهَا بِمَعَاذِيرِهِ؛ لعلَّهُ يَنجُو، ثُمَّ قَبلَ الحِسَابِ تُنشَرُ الصُّحُفُ وَتَتَطَايَرُ الكُتُبُ.
قَالَ سُبحَانَهُ: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ [التكوير: ١٠].
إِنَّهُ الحُكمُ بِالعَدلِ بَينَ الخَلقِ، حَيثُ يَكُونُ الإِنسَانُ عَلَى نَفسِهِ حَسِيبًا، يَرَى بِعَينَيهِ عَمَلَهُ.
قَالَ تَعَالَى: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء: ١٣-١٤].
فَبَينَمَا النَّاسُ فِي أَرضِ المَحشَرِ إِذ نُشِرَتِ الصُّحُفُ وَتَطَايَرَتِ الكُتُبُ، فَأَمَّا أَهلُ السَّعَادَةِ فَيَأخُذُونَ كُتُبَهُم بِأَيمَانِهِم، ثُمَّ يَكُونُ الحِسَابُ يَسِيرًا، وَأَمَّا أَهلُ الشَّقَاوَةِ فَيَأخُذُونَ كُتُبَهُم بِشَمَائِلِهِم وَمِن وَرَاءِ ظُهُورِهِم، وَيَكُونُ المَآلُ سَعِيرًا.
قَالَ جَلَّ وَعَلَا: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق: ٦-١٥].
عبد الله:
أَتَدرِي مَن دَوَّنَ هَذِهِ الصُّحُفَ، وَمَا دُوِّنَ فِيهَا؟
إِنَّهَا الصُّحُفُ الَّتِي سَطَّرَت فِيهَا المَلَائِكَةُ أَعمَالَ العِبَادِ.
أَلَم تَقرَأ قَولَ رَبِّكَ: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ؟ [الانفطار: ١٠-١٢].
فَمَا مِن قَولٍ أَو عَمَلٍ يَعمَلُهُ العَبدُ إِلَّا وَتُدَوِّنُهُ المَلَائِكَةُ الكَاتِبُونَ فِي الصُّحُفِ، كَأَنَّهَا نُسخَةٌ دَقِيقَةٌ لِعَمَلِكَ، لَا تَترُكُ مِنهُ شَيئًا.
قَالَ تَعَالَى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ * وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: ٢٧-٢٩].
بَل مَا مِن لَفظٍ إِلَّا وَتُدَوِّنُهُ المَلَائِكَةُ المُرَاقِبُونَ المُلَازِمُونَ لِلعِبَادِ.
قَالَ سُبحَانَهُ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٦-١٨].
إِنَّ عِلمَ العَبدِ بِتِلكَ الصُّحُفِ يَحمِلُهُ عَلَى الخَوفِ مِنَ اللَّهِ وَحُسنِ الرَّجَاءِ فِيهِ وَعَظِيمِ الحُبِّ لَهُ، وَإِذَا أَرَدتَ أَن تَستَشعِرَ ذَلِكَ فَاستَمِع إِلَى كَلَامِ اللَّهِ فِي الحَدِيثِ الإِلَهِيِّ عَن ذَلِكَ.
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» صحيح البخاري (٦٤٩١)، وصحيح مسلم (١٣١)، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. (٣).
وجاء في الحديث الإلهيِّ أنَّ الملائكة الكاتبين يقولون: «رَبِّ! ذَاكَ عَبدُكَ يُرِيدُ أَن يَعمَلَ سَيِّئَةً»، وَهُوَ أَبصَرُ بِهِ، فَيقول: «ارْقُبُوهُ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ» صحيح مسلم (١٢٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٤).
مَا أَعظَمَ فَضلَ اللَّهِ إِذ يَكتُبُ لِلعَبدِ مَا نَوَاهُ صَادِقًا حَسَنَةً كَامِلَةً وَإِن لَم يَعمَلْها! فَإِن وُفِّقَ فَعَمِلَهَا كُتِبَت لَهُ بِعَشرِ حَسَنَاتٍ إِلَى أَضعَافٍ كَثِيرَةٍ بِحَسَبِ مَا فِي قَلبِهِ مِنَ الإِيمَانِ وَالإِخلَاصِ، وَإِن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَتَـرَكَهَا لِأَجلِ اللَّهِ كُتِبَت لَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِن عَمِلَهَا كُتِبَت عَلَيهِ سَيِّئَةً وَاحِدَة.
وَمِن عَظِيمِ فَضلِهِ سُبحَانَهُ أَنَّ المَلَائِكَةَ تَكتُبُ لِلعَبدِ أَيَّامَ مَرَضِهِ وَسَفَرِهِ مَا كَانَ يَعمَلُهُ وَهُوَ صَحِيحُ البَدَنِ وَمُقِيمٌ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» صحيح البخاري (٢٩٩٦)، من حديث أبي موسى رضي الله عنه. (٥).
وَمِن عَظِيمِ فَضلِهِ أَنَّ المَلَائِكَةَ لَا تُبَادِرُ بِكِتَابَةِ السَّيِّئَاتِ، بَل تَرفَعُ أَقلَامَهَا سِتَّ سَاعَاتٍ فَإِن تَابَ لَم تُكتَب، وَإِلَّا كَتَبُوهَا عَلَيهِ.
يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ صَاحِبَ الشِّمَالِ لِيَرْفَعُ الْقَلَمَ سِتَّ سَاعَاتٍ عَنِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ الْمُخْطِئِ أَوْ الْمُسِيءِ، فَإِنْ نَدِمَ وَاسْتَغْفَرَ اللهَ مِنْهَا أَلْقَاهَا، وَإِلَّا كُتِبَتْ وَاحِدَةً» المعجم الكبير (٨/٢١٧)، من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٢٠٩). (٦).
مَا مِن صَغِيرٍ أَو كَبِيرٍ إِلَّا ويُكتَبُ عَلَينَا، خَيرًا كَانَ أَو شَرًّا، صِدقًا كَانَ أَو كَذِبًا.
قَالَ تَعَالَى: مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [التوبة: ١٢٠-١٢١].
حَتَّى ظَمَؤُكَ وَنَصَبُكَ لِلَّهِ يَكتُبُهُ اللَّهُ لَكَ، وَكُلُّ مَا تُنفِقُهُ وَلَو كَانَ يَسِيرًا يَكتُبُهُ اللَّهُ لَكَ.
وَفِي مُقَابِلِ ذَلِكَ، فَكُلُّ قَولٍ أَو عَمَلٍ لَا يُرضِي اللَّهَ يَكتُبُهُ اللَّهُ عَلَيكَ.
يَقُولُ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: دَعَتنِي أُمِّي يَومًا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ فِي بَيتِنَا، فَقَالَت: «هَا! تَعَالَ أُعطِيكَ!» فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيَهِ؟» قَالَت: «أُعطِيهِ تَمرًا»، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ» سنن أبي داود (٤٩٩١)، من حديث عبد الله بن عامر رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (٧٤٨) (٧).
بَل وَتُكتَبُ آثَارُ ما سَنَّهُ الإنسانُ لِلنَّاسِ فَكَانَ سَبَبًا فِي العَمَلِ بِهِ خَيرًا أَو شَرًّا.
قَالَ سُبحَانَهُ: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس: ١٢].
أَلَا طُوبَى لِمَن مَاتَ وَلَم تَنقَطِع حَسَنَاتُهُ! ويا خيبةَ مَن مَاتَ وَلَم تَنقَطِع سَيِّئَاتُهُ!
وَمَا أَعظَمَ الحَسرَةَ، إِذ يَجِدُ الكُفَّارُ وَالمُجرِمُونَ أَعمَالَهُم أَمَامَ أَعيُنِهِم، صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَا، لَم تَغِب مِنهَا ذَرَّةٌ.
قَالَ تَعَالَى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩].
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَأَستَغفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُم فَاستَغفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبةُ الثانيةُ:
الحَمدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن وَالَاهُ، وَبَعدُ:
عِبَادَ اللَّهِ:
شَتَّانَ بَينَ إِنسَانٍ آمَنَ بِاللَّهِ وَلِقَائِهِ وَحِسَابِهِ، فَحَمَلَهُ إِيمَانُهُ عَلَى أَن يَتَّقِيَ اللَّهَ فَكَانَ جَزَاؤُهُ أَن آتَاهُ اللَّهُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ مَآلُهُ الجَنَّةُ وَالنَّعِيمُ، وَبَينَ آخَرَ لَم يُؤمِن وَلَم يُوقِن بِاللَّهِ وَلَا بِلِقَائِهِ، نَسِيَ الآخِرَةَ، وَنَسِيَ الحِسَابَ، فَغَرَّهُ مَالُهُ وَغَرَّهُ سُلطَانُهُ، فَكَانَ جَزَاؤُهُ أَن يُؤتَى كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ مَآلُهُ النَّارُ وَالجَحِيمُ.
يقول ربّنا سبحانه: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ [الحاقة: ١٨-٣٧].
اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنتَ خَيرُ مَن زَكَّاهَا، أَنتَ وَلِيُّهَا وَمَولَاهَا.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا وَلَا تُعِن عَلَينَا، وَانصُرنَا وَلَا تَنصُر عَلَينَا، وَامكُرْ لَنَا وَلَا تَمكُر عَلَينَا، وَانصُرنَا عَلَى مَن بَغَى عَلَينَا.
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل وِلَايَتَنَا فِيمَن خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعَ رِضَاكَ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.







