عنوان الخطبة (﴿وعُرِضُوا على رَبِّكَ﴾..العَرض على الله يوم القيامة)

عنوان الخطبة (﴿وعُرِضُوا على رَبِّكَ﴾..العَرض على الله يوم القيامة)

عنوان الخطبة: ﴿وعُرِضُوا على رَبِّكَ﴾..العَرض على الله يوم القيامة

عناصر الخطبة:

١- لقاء الله حَقّ.

٢- أحوال الخلق في العَرض على الله.

٣- ثمَرات الإيمان بالعرض على الله.

الحمدُ للهِ الذي يُعرَضُ عليهِ العِبادُ لا تخفَى منهم خافيةٌ، فيسألُهم عن أعمالِهم وصَفَحاتُهم لَهُ باديةٌ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.

أمّا بعدُ، فاتَّقوا اللهَ عبادَ اللهِ حقَّ التَّقوى، وراقبوهُ في السِّرِّ والنَّجوى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.

عبدَ الله:

هلْ أتاكَ نبأُ ذاكَ النِّداءِ العظيمِ؟

قالَ سبحانه: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ [الصافات: ٢٤].

إنَّهُ نداءٌ تنخَلِعُ لَهُ القلوبُ، أخبرَنا عَنْهُ نبيُّنا ﷺ، أنَّهُ في أرضِ المحشرِ سيُنادي المنادي: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! هَلُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ» صحيح البخاري (٦٥٠٧)، وصحيح مسلم (٢٦٨٣)، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه. (١).

هلمَّ إلى ربِّكمْ! إنَّهُ اللِّقاءُ الموعودُ، أنتَ الآنَ في يومِ التَّلاقِ.

قالَ الله: لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ * يَوْمَ هُمْ ‌بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٥-١٦].

يومُ التَّلاقِ، عندما يلقَى الخَلْقُ خالقَهُم.

واللهِ إنَّ لقاءَ اللهِ حقٌّ.

كان ﷺ يُثني على ربِّه فيقول: «وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ» صحيح البخاري (١١٢٠)، وصحيح مسلم (٧٦٩)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٢).

لا يصحُّ إيمانُ عبدٍ حتى يؤمنَ بلقاءِ اللهِ.

ها هوَ جبريلُ يسألُ النَّبيَّ ﷺ فيقول: ما الإِيمانُ؟ قالَ: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ». صحيح مسلم (٢٩٤٠)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما (٣).

أتدري ما معنى لقاءِ اللهِ؟

إنَّهُ العَرْضُ على ربِّكَ، نعم أنتَ سيُنادَى عليكَ لتُعرَضَ بمفرَدِكَ وحدَكَ، تقومُ بينَ يديهِ، تنظرُ إليهِ.

في ذاتِ ليلةٍ كانَ القمرُ بدرًا، فنظرَ النَّبيُّ ﷺ وقالَ: «أَمَا إِنَّكُمْ سَتُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فَتَرَوْنَهُ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُونَ» (أيْ لا يلحقكم مشقَّةٌ ولا تعبٌ) صحيح مسلم (٦٣٣)، من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه. (٤).

إنهُ عَرْضٌ ووقوفٌ وسؤالٌ، فما مِنْ عبدٍ إلَّا سيَقِفُ بينَ يدي اللهِ، يُعرَضُ على ربِّهِ ومولاهُ.

يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلاَ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ: أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلا يَرَى إِلَّا النَّارَ، ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلا يَرَى إِلَّا النَّارَ، فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» صحيح البخاري (١٤١٣)، وصحيح مسلم (١٠١٦)، من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه. (٥).

كلُّ الخلقِ، كلُّ الأممِ، الرُّسلُ ومَنْ أُرسِلوا إليهم، المؤمِنُ والكافرُ، الطَّائعُ والعاصي، لا مفرَّ ولا مهرَبَ.

قالَ سبحانه: يَوْمَئِذٍ ‌تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة: ١٨].

كلُّ أمّةٍ تقِفُ صَفًّا، جاثيةً، كلُّهم حفاةٌ عراةٌ، كما خلقهم اللهُ أوَّلَ مرَّةٍ.

قالَ تعالى: وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا [الكهف: ٤٨].

وذكَرَ النَّبيُّ ﷺ: «أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ يَنْزِلُ إِلَى العِبَادِ لِيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ وَكُلُّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ» جامع الترمذي (٢٣٨٢)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الألباني في التعليقات الحسان (١/٤١٧) (٦).

سينادي اللهُ المشركينَ بهِ سائلًا: أينَ شركائي الذينَ زعمتُم؟

قالَ الله: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام: ٢٢].

أتدري ما جوابهُمْ؟ بعدَ ذلكَ الشِّركِ الذي ملَؤُوا بهِ الدُّنيا، بعدَ تلكَ الأصنامِ التي قاتلوا دونَها، بمَ سيُجيبونَ اللهَ؟

قالَ سبحانه: قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا ‌مَا ‌كُنَّا ‌مُشْرِكِينَ * انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [الأنعام: ٢٣-٢٤].

سيسألُهُم اللهُ: ماذا أَجَبْتُم المرسلينَ؟ هلْ آمنْتُم لما جاءَكُم الرُّسلُ؟ أم استكبرْتُم وأعرضْتُم وكفرْتُم؟ هلْ استسلمْتُم لحكمِ اللهِ ورسالاتِهِ أم فرِحْتُم بما عندكم منَ العلمِ؟

قالَ تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا ‌أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص: ٦٥].

لكنْ أينَ الجوابُ؟

لا جوابَ! خفِيَتِ الأخبارُ، وانتفتِ الأعذارُ!

قالَ جلّ وعلا: فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ [القصص: ٦٦].

كانوا في الدُّنيا يُقسِمونَ الأيمانَ المغلَّظةَ إنَّهُ لا بعثَ بعدَ الموتِ، وإنَّهُ لا معادَ، وإنهُ ما هيَ إلا الحياةُ الدنيا، فعاشوا فيها كالأنعامِ تحكمهم شريعةُ الغابِ.

لكنْ ما هوَ إلا أنْ ماتوا، ثمَّ بُعثوا كأنْ لم يلبثوا إلا ساعةً منَ النَّهارِ، ثمَّ ها هم يوقَفونَ بينَ يدي اللهِ.

قالَ تعالى: وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * وَلَوْ تَرَى إِذْ ‌وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [الأنعام: ٢٩-٣٠].

الآنَ قالوا بلى وربِّنا! لكنْ لا ينفعهم الإقرارُ، وسيكونُ المآلُ الخِزيَ والبَوارَ.

والآنَ العَرْضُ والسُّؤالُ لهؤلاءِ الشُّركاءِ الذينَ جعلهم الناسُ أندادًا لربِّ العالمينَ، إذْ يقولُ اللهُ لهمْ: أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا * فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا [الفرقان: ١٧-١٩].

إنَّها ساعةُ التَّبرُّؤِ، تتبرَّأُ الملائكةُ والأنبياءُ وعبادُ اللهِ الصالحينَ منْ شركِ المشركينَ، ويتبرَّأُ المتبوعُ مِنْ تابعهِ، ويتبرَّأُ الكُبَراءُ من المستضعفينَ، كلٌّ يلقي بالتَّبِعَةِ على الآخرِ، فما الذي أوردَهم الجحيمَ؟

الجوابُ هنا: وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا .

إنَّها الدُّنيا وشهَواتها التي أعمتْ قلوبَهم فصدَّتهم عن الإيمانِ، حتى تركوا كلامَ اللهِ وشَرعَهُ وأحكامَهُ، فكانُوا كالأرضِ البُورِ الخالية من كلِّ خيرٍ، وأيُّ خيرٍ يُرجى فيمَنْ نسِيَ اللهَ.

بأيِّ وجهٍ يلقى أولئكَ المفترونَ على الأنبياءِ والصَّالحينَ ربَّهم يومَ القيامةِ؟

بأيِّ وجهٍ يلقى أولئكَ المحرِّفونَ لدينِ اللهِ ربَّهم يومَ القيامةِ؟

خلعوا على الأنبياءِ والصَّالحينَ ثوبَ الإلهيَّةِ، واتَّخذوهُم أربابًا منْ دونِ اللهِ، زعموا زورًا أنَّهُم شُفَعاءُ بينَ يدي اللهِ يُقرِّبونَهُم زُلفى إليهِ، استغاثوا بهم في الكُرُباتِ، وخشَعوا عندَ قبورِهِم يطلبونَ منهُم الحاجاتِ، ألا لعنةُ اللهِ على الظالمينَ!

قالَ تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ ‌يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود: ١٨].

لقدْ نسوا اللهَ ولقاءَهُ، فأنساهم أنفسَهم.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنا يَوْمَ الْقِيامَةِ؟ قالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ (أَي هَل يَضُرُّكم أحدٌ وينازِعُكم) فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ فِي الظَّهِيرَةِ، لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ؟» قالُوا: لا، قالَ: «فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَيْسَ فِي سَحَابَةٍ؟» قالُوا: لا، قالَ: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ، إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا، قَالَ: فَيَلْقَى الْعَبْدَ، فَيَقُولُ: أَيْ فُلُ! (يعني: يا فلان!) أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ؟ وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ؟ وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي» صحيح مسلم (٢٩٦٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٧).

عِبادَ الله:

إنها وصيةُ اللهِ لكم، يقول: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ ‌مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٢٣].

بارَكَ اللهُ لي ولكم في القُرآنِ العظيمِ، ونَفَعَني وإيّاكم بما فيه من الآياتِ والذِّكرِ الحكيمِ، وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم فاستغفِروه، إنَّهُ هو الغفورُ الرّحيمُ.

 

الخُطبة الثَّانية

الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن والاهُ، وبعدُ:

عبدَ الله:

هلْ تشتاقُ للقاءِ اللهِ؟ ألا ترجُو لقاءَ ربِّكَ؟

ربُّ العالمينَ الملكُ العزيزُ الرَّحيمُ، الذي خلقكَ ورزقكَ ودبَّرَ أمركَ، الذي أسبغَ عليكَ نعَمَهُ وسِتْرَهُ، جعلكَ سمعيًا بصيرًا عاقلًا، هداكَ إليهِ وجعلَكَ مسلمًا، وجعلَ لكَ في الناسِ الذِّكرَ الجميلَ.

اللهُ ذو الجلالِ والكمالِ والكبرياءِ والعظَمةِ، حجابُهُ النورُ، الجميلُ الذي أحسنَ كلَّ شيءٍ خَلَقَهُ.

اللهُ الذي عبدتَهُ وصلَّيتَ لهُ، وغبَّرتَ وجهكَ تذلُّلًا بينَ يديهِ، وصبرتَ ابتغاءَ وجههِ، ورجوتَهُ وأمَّلتَ عفوَهُ.

ألا تترقبُ ذاكَ اللِّقاءَ الذي تقفُ فيهِ بينَ يديهِ؟

يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ». صحيح البخاري (٦٥٠٧)، وصحيح مسلم (٢٦٨٣)، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه. (٨).

إنَّ العرضَ على اللهِ يبعَثُ في قلبِ المؤمنِ حُبًّا وخوفًا ورجاءً، فهوَ لحُبِّهِ ربَّهُ يرجو لقاءَهُ، ولأجلِ تقصيرهِ وذنبِهِ يعلوهُ الحياءُ والوَجَلُ من العَرضِ على اللهِ الأجلِّ، فلقدْ قطَّعَ العَرْضُ على اللهِ أوصالَ المحبينَ!

كم منْ عبدٍ يُعرَضُ على اللهِ فيُعرِضُ اللهُ عنهُ، لا يكلِّمهُ بالرَّحمةِ ولا بما يسرُّهُ، إنما يكلِّمهُ بالتَّوبيخِ والسَّخَطِ والعذابِ، ولا ينظرُ إليهِ نظرَ محبَّةٍ ورحمةٍ وعطفٍ بلْ نظرَ بُغضٍ ووعيدٍ.

إنّ رجلًا حلفَ عندَ النَّبيِّ ﷺ على حقِّ رجلٍ ليأخُذَهُ، فقالَ ﷺ: «أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ اللهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ» صحيح مسلم (١٣٩)، من حديث وائل بن حجر رضي الله عنه. (٩).

فيا عبدَ اللهِ! خَفْ مقامَكَ بينَ يديِ اللهِ! فإنَّ اللهَ يقولُ: وَأَمَّا مَنْ خَافَ ‌مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات: ٤٠-٤١].

اللَّهُمَّ انصُرِ الإسلامَ وأعِزَّ المسلمينَ، وأهْلِكِ اليهودَ المجرمينَ، اللَّهُمَّ وأنزِلِ السَّكينةَ في قلوبِ المجاهدينَ في سبيلِكَ، ونَجِّ عبادَكَ المستضعَفينَ، وارفعْ رايةَ الدِّينِ، بقُوَّتِكَ يا قويُّ يا متينُ.

اللّهُمَّ آمِنّا في أوطانِنا، وأصلِحْ أئمَّتَنا ووُلاةَ أمورِنا، واجعل وِلايتَنا فيمَن خافَكَ واتّقاكَ واتّبعَ رِضاك.

رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ.

عِبَادَ اللَّهِ: اُذكُرُوا اللَّهَ ذِكرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكرَةً وَأَصِيلًا، وَآخِرُ دَعوانا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

شارك المحتوى: