خطبة (الإنسان الممسوخ)

خطبة (الإنسان الممسوخ)

عنوان الخطبة: الإنسان الممسوخ: خطورةُ الاحتيال على الشَّرع

عناصر الخطبة:

١- أمة ممسوخة جعلها الله عبرة

٢- لماذا مسخهم الله؟

٣- صورُ التَّحايل على الشَّرع 

٤- عقوبة المحتال في الدنيا والآخرة

الحَمدُ لِلَّهِ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ، يَسمَعُ السِّرَّ وَالنَّجوَى، وَيَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُّدُورُ، وَأَشهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ البَشِيرُ النَّذِيرُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ، وَسَلَّمَ التَّسلِيمَ الكَثِيرَ.

أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ حَقَّ التَّقوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجوَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .

عبادَ اللهِ:

فِي قَريَةٍ مِن قُرَى بَنِي إِسرَائِيلَ كَانَ الصَّبَاحُ عَجِيبًـا مَهِيـبًا، إِذ أَصبَحَت فِئَةٌ مِن أَهلِ هَذِهِ القَريَةِ قَد تَحَوَّلَت صُوَرُهُم مِنَ الصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ إِلَى الصُّورَةِ الحَيَوَانِيَّةِ، كَانُوا بِالأَمسِ بَشَرًا مُكَرَّمِيـنَ، فَأَصبَحُوا قِرَدَةً خَاسِئِيـنَ.

مَا الَّذِي جَرَى لَهُم يَا تُـرَى؟ وَلـمَِاذَا استَحَقُّوا تِلكَ العُقُوبَةَ؟ وَهَل انتَهَت هَذِهِ العُقُوبَةُ مِن قَامُوسِ الحَيَاةِ الدُّنـيَا؟

تَعَالَ فَاسمَع كَلَامَ رَبِّكَ فِي كِتَابِهِ، عَن تِلكَ الوَاقِعَةِ العَجِيبَةِ، قَالَ سُبحَانَهُ: وَاسْأَلْهُمْ ‌عَنِ ‌الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [الأعراف: ١٦٣-١٦٦].

هَذِهِ الحَادِثَةُ صَارَت مَثَلًا جَعَلَهُ اللَّهُ تَذكِرَةً لِلمُؤمِنِينَ، فَقَالَ سُبحَانَهُ عَنِ اليَهُودِ: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا ‌قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٦٥-٦٦].

لَقَد حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِمُ الصَّيدَ مِنَ البَحرِ يَومَ السَّبتِ، وَأَبَاحَ لَهُم مَا سِوَى ذَلِكَ، وَأَرَادَ أَن يَبتَلِيَ إِيمَانَهُم لِـمَا يَعلَمُ مِن فِسقِ قُلُوبِهِم، فَكَانَتِ الأَسمَاكُ يَومَ السَّبتِ تَأتِيهِم ظَاهِرَةً مِن كُلِّ مَكَانٍ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ لَا تَأتِيهِم إِلَّا قَلِيلًا، فَاحتَالُوا عَلَى أَمرِ اللَّهِ، وَنَصَبُوا الحَبَائِلَ وَحَفَرُوا الخَنَادِقَ عَلَى شَاطِئِ البَحرِ، فَكَانَ السَّمَكُ إِذَا جَاءَ يَومَ السَّبتِ عَلِقَ فِي الحَبَائِلِ وَسَقَطَ فِي تِلكَ الخَنَادِقِ وَلَم يَستَطِعِ العَودَةَ، فَإِذَا جَاءَ الأَحَدُ أَخَذُوا السَّمَكَ قَائِلِينَ: نَحنُ لَم نَصطَد فِي يَومِ السَّبتِ! فَلَمَّا رَأَى المُتَّقُونَ مِنهُم ذَلِكَ التَّحَايُلَ، نَهَوهُم وَزَجَرُوهُم، فَلَم يَنتَهُوا وَلَم يَنزَجِرُوا، فَأَنزَلَ اللَّهُ بِهِم عُقُوبَةَ المَسخِ!

فَمَا المَسخُ؟ وَمَنِ الإِنسَانُ المَمسُوخُ؟

المَسخُ تَغيِيرُ صُورَةِ الشَّيءِ مِن أَصلِهِ إِلَى صُورَةٍ أُخرَى قَبِيحَةٍ، وَالإِنسَانُ المَمسُوخُ إِنسَانٌ غَيَّرَ اللَّهُ قَلبَهُ وَصُورَتَهُ مِن صُورَةٍ آدَمِيَّةٍ إِلَى صُورَةٍ حَيَوَانِيَّةٍ.

وَهُنَا سُؤَالٌ: لِمَاذَا اختَارَ اللَّهُ لَهُم تِلكَ العُقُوبَةَ؟

إِنَّ مِن قَوَاعِدِ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ أَنَّ الجَزَاءَ مِن جِنسِ العَمَلِ، وَهَؤُلَاءِ القَومُ أَرَادُوا أَن يَنسَلِخُوا مِن شَرِيعَةِ اللَّهِ، فَيَتـرُكُوا فِعلَ مَا أَوجَبَهُ اللَّهُ عَلَيهِم، أَرَادُوا انتِهَاكَ الحُرُمَاتِ، لَكِنَّهُم فِي الوَقتِ نَفسِهِ لَا يُرِيدُونَ أَن يَكُونَ ذَلِكَ بِصُورَةٍ وَاضِحَةٍ تُفصِحُ عَنِ اتِّبَاعِهِم شَهَوَاتِ نُفُوسِهِم، يُرِيدُونَ أَن يَظهَرُوا فِي صُورَةِ المُتَّقِينَ وَهُم عَلَى الحَقِيقَةِ فَاسِقُونَ، فَمَاذَا يَفعَلُونَ؟

مَسخوا دِينَهُم؛ أَي غيَّروا حَقِيقَتَهُ وأبقَوا عَلَى صُورَتِهِ، بِالالتِفَافِ عَلَى أَمرِ اللَّهِ، فَلَمَّا مَسَخُوا الدِّينَ مَسَخَهُمُ اللَّهُ.

عبادَ اللهِ:

إِنَّ التَّحَايُلَ عَلَى شَرِيعَةِ اللَّهِ أَمرٌ عَظِيمٌ عِندَ اللَّهِ، إِذ يَدُلُّ عَلَى كَذِبِ المُحتَالِ فِي دَعوَاهُ الإِيمَانَ وَالاستِسلَامَ لِأَمرِ اللَّهِ، إِنَّ الفَرقَ كَبِيرٌ بَينَ عَبدٍ تَضعُفُ نَفسُهُ أَمَامَ الأَمرِ وَالنَّهيِ فَيَعصِي اللَّهَ مُقِرًّا بِمَعصِيَتِهِ، ثُمَّ يَندَمُ وَيَستَغفِرُ وَيَتُوبُ، وَبَينَ آخَرَ يَستَهِينُ بِعِلمِ اللَّهِ بِقَلبِهِ وَعَمَلِهِ، فَيُرِيدُ أَن يَخدَعَ اللَّهَ! وَمَا هُوَ إِلَّا كَالمُنَافِقِينَ، فَالمُنَافِقُ يُخَادِعُ اللَّهَ فِي دَعوَى الإِيمَانِ، وَالمُحتَالُ عَلَى الشَّرِيعَةِ يُخَادِعُ اللَّهَ فِي دَعوَى امتِثَالِ الأَمرِ وَتَطبِيقِ الشَّرعِ.

وَإِيَّاكَ أَن تَظُنَّ أَيُّهَا الـمُسلِمُ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ القَبِيحَةَ وَالعُقُوبَةَ الشَّنِيعَةَ خَاصَّةٌ بِبَنِي إِسرَائِيلَ، بَل إِنَّهَا مَوجُودَةٌ فِي بَعضِ الـمُسلِمِينَ، وَلِذَا حَذَّرَنَا نَبِيُّنَا ﷺ مِن سُلُوكِ سَبِيلِهِم، فَقَالَ: «لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ» إبطال الحيل لابن بطة (ص٤٦)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وحسَّنه الألباني في إرواء الغليل (١٥٣٥). (١).

بَل قَد أَخبَرَنا نَبِيُّنا ﷺ عَن وُقُوعِ عُقُوبَةِ المَسخِ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ، فَقَالَ: «لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، يُعْزَفُ عَلَى رُؤوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ، يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ»سنن ابن ماجه (٤٠٢٠)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٩٠). (٢).

إِنَّهُ السَّبِيلُ نَفسُه، هَؤُلَاءِ القَومُ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ احتَالُوا فِي الصَّيدِ يَومَ السَّبتِ، وَهَؤُلَاءِ احتَالُوا حَتَّى يَشرَبُوا الخَمرَ، فَسَمَّوهَا بِغَيرِ اسمِهَا، وَكَأَنَّ تَغيِيرَ اسمِهَا يُغَيِّرُ حَقِيقَتَهَا! أَلَا مَا أَخبَثَ خِدَاعَهُم!

عباد الله:

إِنَّ صُوَرَ التَّحَايُلِ عَلَى الشَّرِيعَةِ كَثِيرَةٌ، فَمِنَ النَّاسِ مَن يَحتَالُ لِيَهرُبَ مِن فِعلِ الأَمرِ، وَمِنهُم مَن يَحتَالُ لِفِعلِ المُحَرَّمِ، وَمِنهُم مَن يَحتَالُ لِتَعطِيلِ الشَّرعِ، وَجَمِيعُهُ بِاسمِ الدِّينِ.

هَا هُوَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ يَومًا لِأَصحَابِهِ: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيتَ شُحُومَ المَيتَةِ؟ فَإِنَّهَا يُطلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَستَصبِحُ بِهَا النَّاس؟ (أَي يُوقِدُونَ بِهَا المَصَابِيحَ) فَقَالَ: «لاَ، هُوَ حَرَامٌ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِندَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ».صحيح البخاري (٢٢٣٦)، وصحيح مسلم (١٥٨١)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. (٣).

حَرَّمَ اللَّهُ المَيتَةَ، وَمِن ذَلِكَ شُحُومُهَا، إِلَّا أَنَّ اليَهُودَ احتَالُوا عَلَى الشَّرعِ، فأذابُوا تلكَ الشُّحومَ، ثمّ بَاعُوها وَاستَفَادُوا مِن ثَـمَنِها، فَهَلِ امتَثَلُوا بِذَلِكَ؟

لَقَد وَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ القَاعِدَةَ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا حَرَّمَ أَكْلَ شَيْءٍ، حَرَّمَ ثَمَنَهُ» مسند أحمد (٢٦٧٨)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه الألباني في غاية المرام (٣١٨). (٤)، فَإِذَا تَرَكَ إِنسَانٌ استِعمَالَ المحرّماتِ لكن غَيَّرَ صُورَتَها وَبَاشَرَ بَيعَها، فَقَدِ احتَالَ عَلَى أَمرِ اللَّهِ.

وَمِنَ الِاحتِيَالِ عَلَى شَرِيعَةِ اللَّهِ مَا يَفعَلُهُ التَّيسُ المُستَعَارُ، ذَاكَ الَّذِي يَأتِي لِيَتَزَوَّجَ زَوَاجًا صُورِيًّا مِنِ امرَأَةٍ طَلَّقَهَا زَوجُهَا ثَلَاثَ طَلَقَاتٍ فَبَانَت مِنهُ، وَاللَّهُ يَقُولُ: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ‌حَتَّى ‌تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٣٠].

لَقَد لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ فَاعِلَ ذَلِكَ وَالمَفعُولَ لِأَجلِهِ فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِـرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ؟»، قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «هُوَ الْمُحَلِّلُ، لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ، وَالْمُحَلَّلَ لَهُ!»سنن ابن ماجه (١٩٣٦)، من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، وحسنه الألباني في إرواء الغليل (١٨٩٧). (٥).

مَا أَبشَعَ صُورَةَ هَذَا التَّيسِ المَلعُونِ! يَظُنُّ أَنَّ تَسمِيَةَ فِعلِهِ بِالنِّكَاحِ يَجعَلُهُ حَلَالًا، وَيَتَغَافَلُ عَن أَنَّ العِبرَةَ بِالمَقَاصِدِ، لَا بِمُجَرَّدِ الأَلفَاظِ.

إِنَّ لِهَذَا التَّيسِ أَشبَاهًا وَأَمثَالًا كَثِيرِينَ اليَومَ، يَتَحَايَلُونَ عَلَى الشَّرِيعَةِ لِإِبطَالِهَا، فَيُشَرعِنُونَ الزِّنَا تَحتَ اسمِ المُسَاكَنَةِ، وَيَستَبِيحُونَ العَلَاقَاتِ الآثِمَةَ بَينَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ تَحتَ اسمِ الصَّدَاقَةِ، وَيُقَنِّنُونَ الرِّبَا تَحتَ اسمِ الفَائِدَةِ، وَيَستَبِيحُونَ القِمَارَ تَحتَ اسمِ اليَانَصِيبِ وَالجَوَائِزِ، وَيَتَسَامَحُونَ مَعَ فُشُوِّ المُنكَرَاتِ تَحتَ اسمِ الحُرِّيَّةِ، وَيَتَوَلَّونَ اليَهُودَ المُجرِمِينَ تَحتَ اسمِ التَّطبِيعِ وَالتَّسَامُحِ، وَيَتَنَازَلُونَ عَن ثَوَابِتِ الدِّينِ تَحتَ اسمِ العَقلَانِيَّةِ وَالنَّظرَةِ الوَاقِعِيَّةِ، وَيُسَوِّغُونَ تَركَ الشَّرِيعَةِ بِدَعوَى المَصلَحَةِ، فَمَن يَخدَعُونَ؟!

يَقُولُ عَبدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا: «مَن يُخادِعِ اللهَ يَخدَعْهُ»مصنف عبد الرزاق (١٠٧٧٩)، وصححه الشيخ صالح في التكميل (١٨٩٩). (٦).

إِنَّ التَّحَايُلَ وَالالتِفَافَ عَلَى الشَّرِيعَةِ بِتَغيِيرِ الأَسمَاءِ وَالأَسَالِيبِ لَا يُغَيِّرُ حَقَائِقَ المُسَمَّيَاتِ وَلَا أَحكَامَهَا، وَلَا يُخفِي الأَمرَ عَنِ اللَّهِ الَّذِي يَعلَمُ البَوَاطِنَ وَالظَّوَاهِرَ، فَتَسمِيَةُ الفَسَادِ إِصلَاحًا، وَتَبدِيلِ الدِّينِ إِحسَانًا وَتَوفِيقًا، لَا يُخَفِّفُ الجَرِيمَةَ بَل يُغَلِّظُهَا، وَلَا يَرفَعُ العُقُوبَةَ بَل يُحَقِّقُهَا، قَالَ تَعَالَى: فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا *  أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا [النساء: ٦٢-٦٣].

عبادَ اللهِ:

إِنَّ الدِّينَ فِي حَقِيقَتِهِ يُسرٌ، رَفَعَ اللَّهُ عَنَّا الأَغلَالَ وَالحَرَجَ، وَمِن أَعظَمِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ قِيَامُ المُسلِمِ بِوَاجِبِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ بِحُبٍّ وَخُضُوعٍ، وَإِخرَاجُهُ عَن دَاعِي الهَـوَى، وَاللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا شَرَعَ العِبَادَاتِ وَأَوجَبَ الوَاجِبَاتِ وَحَرَّمَ المُحَرَّمَاتِ لِمَا تَتَضَمَّنُهُ مِن مَصَالِحِ العِبَادِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، فَإِذَا احتَالَ النَّاسُ لإِسقَاطِ العِبَادَةِ وَتَركِ الوَاجِبَاتِ وَفِعلِ المُحَرَّمَاتِ فَسَدَت قُلُوبُهُم وَحَيَاتُهُم.

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَأَستَغفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُم فَاستَغفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبةُ الثانيةُ:

الحَمدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن وَالَاهُ، وَبَعدُ:

عِبَادَ اللَّهِ:

مِن جَوَامِعِ كَلِمِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» صحيح البخاري (١)، وصحيح مسلم (١٩٠٧)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. (٧)، وَاللَّهُ تَعَالَى عَلِيمٌ بِمَا فِي الصُّدُورِ، يَنظُرُ إِلَى قُلُوبِ العِبَادِ، فيَعلَمُ المُصلِحَ مِنَ المُفسِدِ، وَالتَّقِيَّ مِنَ الشَّقِيِّ، فَإِلَى هَؤُلَاءِ المُحتَالِينَ عَلَى شَرِيعَةِ رَبِّ العَالَمِينَ: أَلَم تَسمَعُوا قَولَ اللَّهِ: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ‌مَا ‌فِي ‌أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ؟ [البقرة: ٢٣٥].

بِمَن تَمكُرُونَ؟ وَمَن تُخَادِعُونَ؟ وَاللَّهُ يَقُولُ: وَمَا ‌يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [الأنعام: ١٢٣]؛ وَقَد تَوَعَّدَ سُبحَانَهُ أُولَئِكَ بِقَولِهِ: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ‌مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ [النمل: ٥٠-٥١].

وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ وَالْخِيَانَةُ فِي النَّارِ» المستدرك (٨٧٩٥)، من حديث أنس رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٠٥٧) (٨).

اللّهُمَّ أصلِح أحوالَ أُمَّةِ الإسلامِ، وَرُدَّنَا إِلَيكَ ردًّا جَمِيلًا.

اللهمَّ انصُرنا ولَا تَنصُر عَلَينَا، وَامكُر لَنَا ولَا تَمكُر عَلَينَا، وَاهدِنَا وَيَسِّرِ الهُدَى لَنَا، وَانصُرنَا عَلَى مَن بَغَى عَلَينَا.

اللّهُمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلِح أئمَّتَنا ووُلاةَ أمورِنا، واجعل وِلايتَنا فيمَن خافَكَ واتّقاكَ واتّبعَ رِضاكَ.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

شارك المحتوى: